Screenshot

جنوب الإمام المغيب … إلى أين ؟

بقلم: أمين السكافي.

لم يكن الجنوب اللبناني يومًا مجرد خطٍ مرسوم على خرائط الجغرافيا، ولا شريطًا حدوديًا يتبادل فيه الجنود إطلاق النار كلما اشتعل الإقليم. كان، منذ عقود، مرآة لبنان كلها؛ إذا استقرّ هدأ الوطن، وإذا احترق امتدت ألسنة اللهب إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع، وربما إلى فكرة الدولة نفسها.

وحين وقف الإمام المغيب السيد موسى الصدر بين أبناء الجنوب، لم يخاطب أرضًا تبحث عن التنمية فحسب، بل إنسانًا أثقلته سنوات الحرمان والإهمال. رأى في الجنوب قضية وطنية قبل أن يكون قضية منطقة، وأدرك أن الكرامة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بدولة عادلة، وإنسان مصان، وأرض لا تُترك نهبًا للاحتلال ولا للنسيان.

ومنذ ذلك الزمن، لم يعد الجنوب كما كان. أصبح عنوانًا للمقاومة كما أصبح عنوانًا للتضحيات، ودفع من دماء أبنائه ما يكفي ليكتب فصلًا كاملًا من تاريخ لبنان الحديث.

لكن الجنوب، اليوم، يقف أمام مفترق طرق غير مسبوق، ويطرح السؤال الذي يتهامس به الناس في القرى والبلدات قبل أن يكتبه الكتّاب في الصحف:

إلى أين؟

في الثامن من تشرين الأول عام 2023، وبعد يوم واحد من اندلاع حرب غزة، دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من تاريخه. أُعلن يومها أن الجبهة الجنوبية ستكون جبهة إسناد، وأن قواعد الاشتباك ستبقى مضبوطة، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

غير أن تاريخ المنطقة يعلّمنا أن الحروب لا تبدأ دائمًا بالحجم الذي تنتهي إليه، وأن النار، إذا اشتعلت على الحدود، نادرًا ما تبقى أسيرة الحسابات السياسية.

ومع مرور الأيام، اتسعت رقعة المواجهة. تحولت القرى الحدودية إلى ساحات قتال يومية، وبدأ النزوح الجماعي، وسقط الشهداء، وتهدمت البيوت، واحترقت الحقول، وعاد الجنوب ليعيش المشهد الذي ظن كثيرون أنه أصبح جزءًا من الذاكرة.

ثم جاءت الأشهر التالية أكثر قسوة.

تصاعدت العمليات العسكرية، واتسعت دائرة الاستهداف، وتعاظمت الخسائر الإنسانية والمادية، حتى بدا وكأن الجنوب يعيد قراءة صفحات الاجتياحات والحروب السابقة، ولكن في ظروف إقليمية أكثر تعقيدًا، وفي ظل شرق أوسط يعاد رسم توازناته على وقع الدم والنار.

ولم تكن الحرب وحدها هي التي تغيّر وجه الجنوب.

فالسياسة أيضًا دخلت مرحلة مختلفة.

عاد الحديث بقوة عن مستقبل الجنوب، وعن دور الدولة اللبنانية، وعن تنفيذ القرارات الدولية، وعن مستقبل السلاح، وعن شكل الترتيبات الأمنية التي قد تفرضها المرحلة المقبلة. وتحولت ملفات كانت تُعد حتى الأمس القريب من المحرمات السياسية إلى مواضيع مطروحة على طاولات النقاش الداخلي والإقليمي والدولي.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين ما هو ثابت وما هو متداول.

فالثابت أن الضغوط الدولية والإقليمية على لبنان قد ازدادت بصورة ملحوظة، وأن الجنوب بات في صلب أي نقاش يتعلق بمستقبل الاستقرار في المنطقة.

أما ما يُتداول من سيناريوهات حول خرائط جديدة، أو تفاهمات أوسع، أو تغييرات جذرية في المشهد اللبناني، فلا يزال في إطار التحليلات والفرضيات، ولم يتحول إلى حقائق يمكن البناء عليها.

غير أن مجرد طرح هذه السيناريوهات يكشف حجم التحولات التي تعيشها المنطقة.

فالجنوب الذي خرج من حرب تموز عام 2006 وهو يشعر بأنه استطاع أن يفرض معادلة ردع جديدة، يخرج اليوم من الحرب الأخيرة مثقلًا بأسئلة تختلف عن كل ما سبق.

أسئلة عن إعادة الإعمار.

عن الاقتصاد.

عن النزوح.

عن مستقبل الأجيال التي عاشت طفولتها بين صفارات سيارات الإسعاف وأصوات الطائرات.

وعن قدرة اللبنانيين على إنتاج رؤية وطنية تمنع الجنوب من أن يبقى صندوق بريد للصراعات الإقليمية.

لقد عرف الجنوب الاحتلال، كما عرف التحرير.

وعرف الاجتياحات، كما عرف الانتصارات.

وعرف الشهادة، كما عرف الصمود.

لكنه يعرف أيضًا أن المجتمعات لا تعيش على البطولات وحدها، وأن الإنسان الذي يحرس الأرض يحتاج، في الوقت نفسه، إلى مدرسة، ومستشفى، وفرصة عمل، وبيت آمن، ودولة يشعر أنها تحميه كما يحمي هو حدودها.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتعقيداته، لا يستطيع أن يعزل نفسه عن صراعات الشرق الأوسط، لكنه أيضًا لا يحتمل أن يبقى ساحة مفتوحة لكل تلك الصراعات.

وبين هذين الحدين، ظل الجنوب يدفع الفاتورة الأكبر.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من انتصر ومن خسر؟

بل: ماذا بعد؟

كيف سيعود عشرات آلاف النازحين إلى قراهم؟

كيف ستُرمم البيوت؟

كيف ستُستعاد دورة الحياة الاقتصادية؟

وكيف يمكن حماية الجنوب من أن يتحول، مرة جديدة، إلى نقطة الانفجار الأولى في أي مواجهة مقبلة؟

هذه الأسئلة لا تخص أبناء الجنوب وحدهم، بل تخص لبنان كله.

فالجنوب ليس هامشًا في الجغرافيا، بل هو قلب الأمن الوطني، ومقياس قدرة الدولة على حماية أرضها ومواطنيها.

وربما لهذا السبب يبدو استحضار الإمام المغيب السيد موسى الصدر اليوم أكثر من مجرد استذكار تاريخي.

لقد كان يرى أن الجنوب لا يُبنى بالسلاح وحده، كما لا يُحمى بالدولة إذا كانت دولةً غائبة. وكان يؤمن بأن معركة الإنسان لا تقل أهمية عن معركة الأرض، وأن الكرامة الوطنية تبدأ حين يشعر المواطن أن وطنه لا يتذكره فقط في زمن الحرب، بل يحتضنه أيضًا في زمن السلم.

واليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو الجنوب أمام فرصة واختبار في آن واحد.

فرصة لأن تتحول التضحيات إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة والإنسان معًا.

واختبار لأن المنطقة لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة، ولأن الشرق الأوسط لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

ويبقى السؤال معلقًا…

هل يقف الجنوب على أعتاب مرحلة جديدة من الاستقرار، أم أننا لا نعيش سوى هدنة تسبق جولة أخرى من الصراع؟

لا أحد يملك جوابًا نهائيًا.

لكن التاريخ يعلّمنا أن الأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في الحروب، بل أيضًا بقدرتها على صناعة الهدوء على حدوده بعد انتهائها.

ويبقى الجنوب، كما أراده الإمام المغيب، أكثر من أرض تُدافع عن نفسها، وأكثر من جبهة تواجه عدوها.

إنه وطنٌ مصغّر، إذا نهض نهض لبنان، وإذا بقي أسير الحروب، بقي الوطن كله ينتظر الإجابة عن السؤال ذاته…

جنوب الإمام المغيب… إلى أين ؟

شاهد أيضاً

جمعية محترف راشيا” تطلق كتابَي المؤلف رائد سامي شهيّب ورئيس الجمعية شوقي دلال يشيد بالإنجاز الفكري.

  أطلقت “جمعية محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون” في راشيا كتابَي الكاتب والباحث رائد سامي …