Screenshot

حين تجلس الثورات إلى طاولة المفاوضات

بقلم: أمين السكافي .

منذ أن أطاحت الثورة الإسلامية في إيران بنظام الشاه عام 1979، لم يكن الحدث مجرد انتقال للسلطة من نظام إلى آخر، بل إعلانًا عن ولادة مشروع سياسي وعقائدي أراد أن يعيد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. ومنذ الأيام الأولى، ارتفع خطاب الثورة فوق حدود الجغرافيا الإيرانية، متحدثًا عن نصرة المستضعفين، ورفض الهيمنة الغربية، ومواجهة إسرائيل، وتصدير الثورة بوصفها رسالة تتجاوز حدود الدولة إلى فضاء الأمة.

على مدى ما يقارب نصف قرن، بقيت هذه الشعارات حاضرة في الخطاب الرسمي الإيراني، حتى أصبحت جزءًا من هوية الجمهورية الإسلامية. لكن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُدار بالشعارات وحدها، وأن السياسة، مهما ارتفعت نبرتها الأيديولوجية، تبقى في النهاية فن إدارة المصالح قبل أن تكون ساحة لإدارة العواطف.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدًا.

فإيران التي رفعت شعار القطيعة مع الولايات المتحدة، وجدت نفسها، في أكثر من محطة مفصلية، تجلس معها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. تفاوضت حول أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وشاركت في ترتيبات سياسية أعقبت سقوط بغداد عام 2003، ثم خاضت سنوات طويلة من المفاوضات التي انتهت إلى الاتفاق النووي عام 2015، قبل أن تعود جولات الحوار مرة أخرى مع تبدل الإدارات الأمريكية وتغير موازين القوى.

هذه الوقائع ليست موضع جدل، لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز الحالة الإيرانية نفسها:

هل تنتهي كل الثورات، عندما تتحول إلى دول، إلى الاعتراف بقواعد السياسة التي كانت ترفضها وهي في ساحات الثورة؟

الواقع يقول إن الدولة تختلف عن الثورة.

فالثورة تستطيع أن ترفع سقف الشعارات إلى أقصى مدى، لأنها تتحرك بدافع العقيدة والحماسة الشعبية، أما الدولة فتقف أمام مسؤوليات أكثر تعقيدًا؛ اقتصاد، وأمن قومي، وعلاقات دولية، واستقرار داخلي، وموازين قوى لا يمكن تجاهلها مهما بلغت صلابة الخطاب.

ولهذا، فإن التفاوض لا يُعد في ذاته انتصارًا ولا هزيمة، كما أن الحرب ليست دائمًا عنوانًا للقوة. كلاهما أداة تلجأ إليها الدول حين ترى أن مصالحها تقتضي ذلك.

غير أن الإشكالية تظهر عندما يصبح الخطاب الموجّه إلى الجماهير مختلفًا عن السلوك السياسي خلف أبواب التفاوض.

فإذا كان التفاوض يُقدَّم بوصفه خيارًا مشروعًا عندما تمارسه الدولة دفاعًا عن مصالحها، فمن الطبيعي أن يُنظر إليه بالمعيار ذاته عندما تلجأ إليه دول أخرى. أما إذا أصبح الحكم على التفاوض يتبدل تبعًا لهوية من يقوم به، فإن النقاش ينتقل من السياسة إلى دائرة الاصطفاف والانفعال.

وليس المقصود هنا إيران وحدها.

فالتاريخ الحديث حافل بأمثلة لدول وحركات رفعت شعارات المواجهة المطلقة، ثم جلست لاحقًا إلى موائد التفاوض، بعدما أدركت أن استمرار الصراع المفتوح يحمل أثمانًا قد تفوق أي مكسب محتمل. الولايات المتحدة تفاوضت خصومًا خاضت ضدهم حروبًا طويلة، وروسيا فعلت الأمر نفسه، وكذلك الصين، ودول عديدة في الشرق والغرب. فالسياسة الدولية لا تقوم على الصداقات الدائمة ولا على العداوات الأبدية، بل على شبكة معقدة من المصالح المتحركة.

ومن هنا، يمكن فهم جانب كبير من المشهد الإقليمي.

فخلال العقود الماضية، لم تقتصر المواجهة بين إيران وخصومها على حدودها الجغرافية، بل امتدت إلى ساحات متعددة في المنطقة، حيث تداخلت الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية. وفي المقابل، بقيت المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى محكومة، في كثير من الأحيان، بسقوف تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز نتائجها حدود الشرق الأوسط.

هذه ليست ظاهرة إيرانية فحسب، بل واحدة من قواعد إدارة الصراعات في النظام الدولي المعاصر، حيث تسعى الدول إلى تعزيز أوراق قوتها، مع تجنب مواجهة مفتوحة قد يصعب التحكم بمآلاتها.

وربما لهذا السبب يبدو المشهد أحيانًا متناقضًا.

خطابات تتحدث بلغة الحسم، بينما تتحرك الدبلوماسية بهدوء.

تصعيد إعلامي، يقابله تفاوض خلف الكواليس.

تهديدات متبادلة، يقابلها حرص واضح على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة.

ولعل هذا التناقض ليس تناقضًا حقيقيًا بقدر ما هو انعكاس لطبيعة الدولة الحديثة، التي قد ترفع السقف في العلن لتحافظ على أوراقها التفاوضية، بينما تبحث في الغرف المغلقة عن تسويات تحمي مصالحها وتمنع الانفجار الكبير.

ومن هنا، فإن النقاش الذي تحتاجه منطقتنا لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: هل التفاوض بطولة أم تنازل؟

بل في سؤال أكثر عمقًا:

كيف تستطيع الدول أن توائم بين خطابها أمام شعوبها، وبين ما تفرضه عليها الوقائع في إدارة مصالحها؟

فالمصارحة مع الرأي العام ليست أقل أهمية من امتلاك أوراق القوة، لأن الشعوب التي تُدرك تعقيدات السياسة تكون أكثر قدرة على استيعاب قرارات دولها، مهما كانت صعبة.

لقد أثبت التاريخ أن معظم الحروب الكبرى انتهت على طاولات التفاوض، وأن كثيرًا من الثورات، بعد أن استقرت في الحكم، اكتشفت أن إدارة الدولة تختلف جذريًا عن قيادة الثورة.

وهذا ليس انتقاصًا من الثورات، ولا تبريرًا للتنازلات، بل توصيف لطبيعة السياسة نفسها.

فالسياسة ليست فن إطلاق الشعارات، بل فن حماية الأوطان. والدولة لا تُقاس بقدرتها على رفع الصوت، بل بقدرتها على حماية شعبها، وصيانة مصالحها، واتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، سواء كان ذلك القرار مواجهةً عندما تفرضها الضرورة، أو تفاوضًا عندما يصبح الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق المصلحة الوطنية.

وبين الثورة والدولة، وبين البندقية وطاولة المفاوضات، يبقى التاريخ يكرر درسه الأقدم:

أن الدول قد تبدأ ثورات، لكنها لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد بعقل الثورة وحده .

شاهد أيضاً

مليونيات التحذير والنفير

محمد القيري شهدت المحافظات اليمنيه مليونيات التحذير والنفير للنظام السعودي في رفع الحصار عن اليمن …