Screenshot

حين تتصالح الهويات

بقلم: أمين السكافي .

«لبنانيتنا، وعروبتنا، وإسلامنا، وإنسانيتنا… ليست هوياتٍ متصارعة، بل دوائر انتماء يكتمل بعضها ببعض.»

ليست أزمة لبنان أنه بلد صغير، ولا أن موارده محدودة، ولا حتى أن أزماته السياسية تتكرر كالفصول. أزمته الأعمق أنه لم يحسم، منذ نشأته الحديثة، علاقته بهويته المركبة، فصار كل استحقاق سياسي مناسبة لإعادة طرح السؤال ذاته: من نحن؟

هل نحن لبنانيون أولاً؟ أم عرب قبل كل شيء؟ أم أن الإسلام هو هويتنا الجامعة؟ أم أننا أبناء الإنسانية، فلا يجوز أن تقيدنا أي هوية أخرى؟

وربما كان الخطأ الأكبر أننا تعاملنا مع هذه الأسئلة وكأنها امتحان لا يحتمل سوى إجابة واحدة، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يولد بهوية واحدة، بل يحمل في داخله دوائر متداخلة من الانتماء، يكمل بعضها بعضاً، ولا يلغي أحدها الآخر.

فاللبنانية ليست نقيض العروبة، والعروبة لا تناقض الإسلام، والإسلام في جوهره لا يعادي الإنسانية، والإنسانية الحقة لا تطلب من الإنسان أن يقتلع جذوره كي يكون مواطناً في هذا العالم.

منذ عقود، دفع اللبنانيون أثماناً باهظة لأن السياسة جعلت من الهوية سلاحاً. انقسموا بين شرق وغرب، وبين وطنية وقومية، وبين مقاومة وحياد، وبين طائفة وأخرى، حتى كادت الهويات الفرعية تبتلع الوطن كله.

وفي كل مرة كان اللبناني يكتشف، بعد سنوات من الصراع، أن أحداً لم ينتصر، وأن الوطن وحده هو الذي خسر.

ولعل المأساة أن كثيرين تصوروا أن الدفاع عن لبنان يقتضي التخلي عن عروبته، فيما رأى آخرون أن الانتماء العربي يذيب خصوصية لبنان، وذهب فريق ثالث إلى اختزال الإسلام في مشروع سياسي، بينما تعامل بعض دعاة الإنسانية مع الدين والقومية وكأنهما عبء ينبغي التخلص منه.

لكن التاريخ يقدم لنا درساً مختلفاً.

فلبنان لم يكن عظيماً لأنه أنكر عروبته، بل لأنه كان أحد أبرز صناع النهضة العربية، ومن بيروت خرجت صحف، ودور نشر، وجامعات، ومفكرون، تركوا أثراً في كل مدينة عربية. وكان اللبناني، مسلماً ومسيحياً، شريكاً في صناعة الوعي العربي الحديث.

وعروبتنا ليست رابطة دم، ولا مشروعاً لإلغاء الأوطان، بل انتماء إلى لغة، وتاريخ، وثقافة، ووجدان مشترك. وهي تتسع لتنوع المجتمعات العربية ولا تنفي خصوصياتها، كما لا تنفي خصوصية لبنان ورسالة التعدد التي يحملها.

أما الإسلام، فقد جاء ليقيم ميزان العدل، لا ليهدم الأوطان. ولم يأت ليصنع قطيعة مع الشعوب، بل ليهذب العصبيات ويجعلها في خدمة الإنسان. فالقرآن الكريم لم يدعُ إلى إلغاء اختلاف الأمم، بل جعله آية من آيات الله: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾. ولم يجعل معيار التفاضل لوناً ولا عرقاً ولا أرضاً، بل التقوى والعمل الصالح.

ولذلك لم تكن الحضارة الإسلامية يوماً حكراً على قوم أو لغة أو عرق، بل شارك في بنائها العربي والفارسي والكردي والتركي والأمازيغي والإفريقي، وغيرهم، فكان التنوع فيها مصدر قوة لا سبباً للانقسام.

ثم تأتي الإنسانية، لا باعتبارها هوية بديلة، بل باعتبارها الضمير الذي يسمو فوق الحدود حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان. فالإنسانية لا تطلب منا أن نتخلى عن أوطاننا، بل أن نرفض الظلم حيثما وقع، وأن نقف إلى جانب المظلوم، أياً كانت لغته أو دينه أو قوميته.

وحين ننظر إلى القضية الفلسطينية، أو إلى ما شهده جنوب لبنان، أو إلى مآسي المنطقة، فإن إنسانيتنا لا تنفصل عن لبنانيتنا، ولا عن عروبتنا، ولا عن إيماننا. إنها جميعاً تدفعنا إلى الانحياز للحق، لا لأن الضحية تشبهنا، بل لأن الظلم لا يصبح عدلاً إذا غيّر وجهته.

إن الأزمة ليست في تعدد الهويات، بل في تحويلها إلى متاريس. فكلما ضاقت الهوية تحولت إلى أداة إقصاء، وكلما اتسعت أصبحت مساحة لقاء.

فاللبناني الحقيقي لا يحتاج إلى إنكار عروبته ليحب وطنه، والعربي الواثق من انتمائه لا يخشى خصوصية لبنان، والمسلم الواثق من دينه لا يخاف من الحوار مع العالم، والإنسان الصادق في إنسانيته لا يحتقر معتقدات الآخرين ولا أوطانهم.

إن لبنان، بحكم موقعه وتاريخه وتنوعه، ليس مضطراً إلى الاختيار بين هذه الانتماءات، بل مدعو إلى أن يقدم نموذجاً للتوفيق بينها. فالأرز الذي يضرب جذوره في الأرض، يمد أغصانه نحو السماء، ولا يرى في ذلك تناقضاً.

قد تكون هذه هي الرسالة التي لم نحسن فهمها بعد.

أن يكون الإنسان لبنانياً، فهذا يعني أن يحمل ذاكرة أرضه، وأن يدافع عن دولته، ويحترم دستورها، ويؤمن بأن المواطنة هي الإطار الجامع لكل أبنائها.

وأن يكون عربياً، فهذا يعني أن ينتمي إلى فضاء ثقافي وحضاري ولغوي، وأن يشعر بأن آلام أمته وآمالها ليست شأناً بعيداً عنه.

وأن يكون مسلماً، فهذا يعني أن يجعل العدل والرحمة والكرامة أساس علاقته بالله والناس، لا أن يحول الدين إلى أداة للخصومة والانقسام.

وأن يكون إنساناً، فهذا يعني أن يرى في كل مظلوم قضية، وفي كل طفل بريء ابناً له، وفي كل حرب جرحاً يصيب الضمير البشري كله.

هذه الانتماءات ليست سلاسل تقيد الإنسان، بل دوائر تتسع كلما ارتقى وعيه.

فأنا لبناني لأن هذه الأرض هي بيتي.

وعربي لأن لغتي وتاريخي ووجداني ينتمون إلى هذه الأمة.

ومسلم لأنني أؤمن برسالة جعلت الإنسان خليفة في الأرض، وأمرت بالعدل والإحسان.

وإنسان لأن الله كرّم بني آدم قبل أن يختلفوا في أوطانهم وألوانهم وألسنتهم.

وحين تتصالح هذه الهويات داخل الإنسان، يصبح أكثر قدرة على بناء وطن، وأكثر وفاءً لأمته، وأكثر صدقاً مع دينه، وأكثر رحمة بالعالم.

فليست المشكلة في أن نحمل أكثر من هوية، بل في أن نعجز عن التوفيق بينها.

وحين نتعلم أن الانتماءات ليست جدراناً تفصلنا، بل جسوراً تصلنا، ندرك أن قوة لبنان لم تكن يوماً في انغلاقه، بل في قدرته على أن يكون وطناً يلتقي فيه المحلي بالقومي، والديني بالإنساني، والخاص بالعام.

وعندها فقط… لا تعود الهويات سبباً للحروب، بل تصبح جسوراً تعبر عليها الأمم نحو مستقبل أكثر عدلاً، وأكثر حكمة، وأكثر إنسانية .

شاهد أيضاً

السيادة اليمنية خط احمر

*#أما_بعد …* “إن معادلة الردع اليوم لا تقبل التجزئة؛ فالمطار بالمطار، وليس اي مطار فمطار …