انعدام المشروع العربي والإسلامي الموحد

أحلام الصوفي

منذ الاحتلال الأوروبي للمنطقة العربية والإسلامية في القرن الماضي، وما أعقبه من ثورات التحرر الوطني، كانت الأمة أمام فرصة تاريخية لتأسيس مشروع عربي وإسلامي مستقل، يستند إلى الإرادة السياسية المشتركة ويحفظ القرار السيادي بعيدًا عن الاستقطاب الدولي. إلا أن العالم آنذاك كان منقسمًا بين قطبين؛ الرأسمالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة، والشيوعية الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي، فسارعت معظم الأنظمة العربية والإسلامية إلى الاصطفاف مع هذا المعسكر أو ذاك، بدلًا من بناء مشروعها الخاص.
ومع انهيار المنظومة الشيوعية، انفردت الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، واتسع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي في المنطقة. ولم يعد النفوذ الخارجي يقتصر على الوجود العسكري، بل امتد إلى التأثير في القرار السياسي، وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية، ومحاولات إعادة صياغة الهوية والثقافة بما يخدم المصالح الغربية.
وأصبحت المنطقة، بفعل غياب المشروع الموحد، ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات الدولية، بينما بقيت الدول العربية والإسلامية عاجزة عن بناء موقف جماعي يحمي مصالحها ويصون سيادتها. وفي كل محطة مفصلية، كان الانقسام العربي يمنح القوى الخارجية مساحة أوسع لترسيخ نفوذها.
وفي هذا السياق، تعرضت دول وأنظمة دخلت في صدام مع السياسات الغربية لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية، كما حدث في العراق، ثم لاحقًا في سوريا واليمن، حيث تشابكت المصالح الإقليمية والدولية وتحولت تلك البلدان إلى ساحات صراع مفتوح.
ومع تنامي محور المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران واليمن، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة، اتسمت بتصاعد العمليات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية. وتُقرأ الحروب التي شهدتها سوريا واليمن، والعدوان المستمر على غزة ولبنان، والتصعيد ضد إيران، في إطار صراع أوسع على شكل المنطقة ومستقبلها، وسط اصطفافات إقليمية ودولية متباينة.
إن استمرار الانقسام العربي والإسلامي، وغياب مشروع استراتيجي موحد، جعلا الأمة تفقد قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، وأصبح القرار في كثير من الملفات مرتبطًا بحسابات القوى الدولية أكثر من ارتباطه بالمصلحة العربية والإسلامية المشتركة.
والتاريخ يؤكد أن الأمم التي تتخلى عن مشروعها الحضاري تصبح أكثر عرضة للتفكك والتبعية، مهما امتلكت من الثروات والإمكانات. فالثروة بلا استقلال في القرار تتحول إلى هدف للأطماع، والانقسام يفتح الأبواب أمام التدخل الخارجي، ويجعل كل دولة تواجه مصيرها منفردة.
واليوم، تقف المنطقة أمام مرحلة مفصلية، تتسارع فيها التحولات الدولية وتتبدل فيها موازين القوى، بينما لا يزال المشروع العربي والإسلامي الموحد غائبًا عن المشهد. ومع استمرار هذا الفراغ، تبقى المنطقة عرضة لمزيد من الصراعات والاستنزاف، وتبقى ثرواتها وقرارها ومستقبل أجيالها مهددة ما لم تتبلور رؤية مستقلة تنطلق من مصالح الأمة، وتؤسس لوحدة الموقف، وتحمي السيادة، وتعيد للعالم العربي والإسلامي مكانته بين الأمم.

شاهد أيضاً

ما بعد 16 يوليو يوم تغيّرت فيه معادلات التاريخ

بقلم: عفاف فيصل صالح ليست كل الأيام متشابهة، فهناك أيامٌ تمرّ على الشعوب كالأرقام، وأيامٌ …