عشرون عامًا على عملية الوعد الصادق… وما زال تموز يكتب معادلات الكرامة

بقلم: الشيخ حسن حمادة العاملي

لطالما كنا نسمع العبارة التي تقول: “العين لا تقاوم المخرز”، حتى ظن كثيرون أنها حقيقةٌ لا تقبل الجدل، وأن الضعيف محكومٌ دائمًا بالانكسار أمام القوة، وأن الشعوب الصغيرة لا تملك إلا أن تنحني أمام جبروت الجيوش الكبرى. غير أن الشعب الأبي في لبنان، بجيشه الباسل ومقاومته الشريفة، أثبت للعالم أن عينَ لبنان حديدية، وقبضتَه فولاذية، وبنيانَه صلبٌ متماسك، وأن الإرادة حين تتسلح بالإيمان، وتلتف حول الحق، وتتشبث بالأرض، تتحول إلى قوةٍ تعجز عن كسرها أعتى الجيوش وأشد آلات الحرب فتكًا.

قبل عشرين عامًا، وفي الثاني عشر من تموز عام 2006، دخل لبنان مرحلةً جديدة من تاريخه، وبدأ فصلٌ مختلف من فصول الصراع مع العدو الصهيوني. تبدلت الحسابات، واهتزت صورة الجيش الذي أحاط نفسه بأسطورة القوة المطلقة، وانكشفت حدود التفوق العسكري أمام شعبٍ آمن بحقه في الحياة والحرية والسيادة، حتى غدت الإرادة أقوى من الحديد والنار، وصار كل قرارٍ بالعدوان يمر عبر ميزانٍ جديد، وأصبحت كلفة المغامرة أثقل من أوهام أصحابها.

جاء العدوان بأقسى ما تملك آلة القتل الصهيونية من بطش، فتناثرت البيوت، وارتقى الشهداء، وامتلأت الطرقات بقوافل النازحين، غير أن الوطن ازداد تماسكًا، والتحمت دماء المقاومين بدموع الأمهات، وصار الصمود ثقافةً وطنيةً حملها أبناء الجنوب والبقاع والضاحية، كما حملها كل لبناني رأى في الدفاع عن الأرض دفاعًا عن الكرامة والهوية والوجود.

ويمضي الزمن، ويبقى العدو هو العدو، تتغير الأدوات، وتبقى الأطماع ذاتها؛ إخضاع لبنان، وتجريده من عناصر قوته، وإدخاله في زمن الطاعة السياسية. وحين أخفقت الطائرات والدبابات في فرض إرادة الاحتلال، حضرت العقوبات، والحصار، والضغوط السياسية، والحرب الإعلامية، ومشاريع الفتنة، ومحاولات صناعة وعيٍ مهزوم يقبل بما عجزت القوة العسكرية عن فرضه.

واليوم يعيش لبنان فصلًا جديدًا من العدوان، تتداخل فيه النار مع المؤامرة، والسلاح مع السياسة، والقتل مع التضليل، في مشهدٍ يكشف حجم المشروع الذي يستهدف الوطن بأسره. ويزداد المشهد قسوةً حين ترتفع في الداخل أصوات الإذعان والانبطاح، فتسوّق التنازل على أنه حكمة، وتدعو إلى التخلي عن عناصر القوة الوطنية، وكأن الاحتلال سيكافئ المستسلمين، أو أن السيادة تُستعاد بالتخلي عن وسائل حمايتها.

إن الأمم التي تصنع مستقبلها لا تنتظر رحمة المعتدين، ولا تبني أمنها على الوعود الخارجية، وإنما تؤسس استقرارها على وحدة شعبها، وصلابة مؤسساتها، وقدرتها على حماية أرضها وسيادتها. ومن هنا تكتسب ذكرى الوعد الصادق معناها المتجدد؛ فهي دعوةٌ إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، وإغلاق أبواب الفتنة، وتحصين المجتمع من الانقسام، لأن العدو يدرك أن ما عجز عنه بالسلاح قد يحاول بلوغه عبر تمزيق الداخل وإضعاف الإرادة الوطنية.

رحم الله الشهداء الذين كتبوا بدمائهم سفر الكرامة، وحمى لبنان من كل عدوان، ومن كل مشروع يستهدف وحدته وسيادته، وجعل من تموز شاهدًا خالدًا على أن الأوطان التي يؤمن أبناؤها بحقها في الحياة، وتلتف حول جيشها، وتحفظ عناصر قوتها، تبقى عصيةً على الكسر، مهما اشتدت المؤامرات، وتعاظمت التحديات.

شاهد أيضاً

لسنا أبناء العقائد، بل أبناء” الجسد حين يفكر. “..

فما نسميه حقيقة ليس إلا ما يزيد من قدرة الحياة على الامتداد، وما نسميه خطأ …