علي علي احمد
ليست كل الشخصيات التي ترحل تغادر الذاكرة، فبعض الأسماء تبقى لأنها مرّت في حياة الشعوب تاركةً أثرًا لا يُمحى، لا بخطاب عابر، ولا بصورة بروتوكولية، بل بموقف صادق في زمن كانت فيه المواقف نادرة.
يرحل اليوم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فيستعيد اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، صفحةً من أكثر صفحاتهم وجعًا. ففي صيف عام 2006، وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، كانت القرى الممتدة من بنت جبيل إلى النبطية، ومن الخيام إلى عيتا الشعب والضاحية تبحث عن بداية جديدة بين البيوت المهدمة والطرقات المحروقة والمدارس التي تحولت إلى ركام.
في تلك الأيام، لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى كلمات المواساة بقدر حاجتهم إلى من يساعدهم على الوقوف من جديد. وكانت دولة قطر، بقيادة الأمير الوالد، من أوائل الدول التي بادرت إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ولم يكتفِ الأمير الراحل بإعلان الدعم من بعيد، بل زار الجنوب اللبناني بنفسه، وجال في بلداته وقراه، بين الركام وأهله، مؤكدًا أن الأخوّة العربية لا تُقاس بعدد البيانات، بل بما يُبنى من بيوت، وما يُعاد من حياة، وما يُزرع من أمل في نفوس الناس.
ولم تكن تلك الزيارة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل بقيت محفورة في ذاكرة الجنوبيين الذين رأوا في إعادة إعمار قراهم أكثر من مشروع هندسي، رأوا فيها رسالةً تقول إنهم لم يكونوا وحدهم في مواجهة الخراب، وإن هناك من آمن بحقهم في أن يعودوا إلى بيوتهم مرفوعي الرؤوس.
واليوم، وبعد سنوات ، يعود الجنوب إلى محنة جديدة. قرى أُفرغت من أهلها، وبيوت سقطت تحت القصف، وعائلات ذاقت مرارة التهجير مرة أخرى، فيما تقف المدن والبلدات بانتظار أن تستعيد حياتها. وها هم الجنوبيون، كما كانوا قبل عشرين عامًا، يقفون بين الركام، لا يطلبون شفقةً من أحد، بل ينتظرون أن يجدوا من يشاركهم مسؤولية إعادة إعمار ما هدمته الحرب، وأن تمتد إليهم الأيدي الصادقة كما امتدت إليهم يومًا. فما بذله أهل الجنوب من صمود وعزة وتضحيات لم يكن دفاعًا عن أرضهم وحدها، بل كان فداءً في وجه عدو فاجر يحاول تغير شكل المنطقة.
قد تتغير السياسات، وتتبدل الظروف، لكن التاريخ لا ينسى المواقف. فهو يكتب أسماء الذين حضروا في ساعة الشدة، والذين اختاروا أن يكونوا إلى جانب الشعوب وهي تداوي جراحها، لا وهي تحتفل بانتصاراتها.
واليوم، ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا نستحضر فقط سيرة قائد عربي، بل نستذكر موقفًا بقي حيًا في ذاكرة اللبنانيين، لأن الشعوب لا تنسى من وقف معها حين كانت الأنقاض أعلى من الجدران، ولا من ساعدها على أن تستعيد الحياة بعد أن حاولت الحروب أن تنتزعها منها.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا الصبر والسلوان. وستبقى المواقف النبيلة، مهما تعاقبت السنوات، جزءًا من ذاكرة الأوطان، لأن البناء لا يكون بالحجارة وحدها، بل بالوفاء أيضًا.
علي علي احمدخ
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
