أعورُ الدجّال… سياسةُ النظرِ بعينٍ واحدةٍ في لبنان

بقلم: الشيخ حسن حمادة العاملي

كلُّ انحرافٍ يبدأ من خللٍ في الرؤية، وأخطرُ ما يُصيب السياسة أن تفقد عينًا من عينيها، فلا تعود ترى إلا ما يخدم مصالحها الضيقة، وتغفل عمدًا كلَّ ما يهدم منطقها. عندها تتحول الوطنية إلى شعارٍ انتقائي، والسيادة إلى مادةٍ للاستهلاك السياسي، والعدالة إلى ميزانٍ يختلُّ كلما تبدلت الوجوه.
هكذا يعيش لبنان منذ سنوات؛ فريقٌ يفتح عينه على مشهد، ويغلقها عن مشهدٍ آخر، ويمنح الأحداث أحكامًا مختلفة تبعًا لأسماء أصحابها، لا لطبيعة أفعالهم. إنها سياسةُ النظر بعينٍ واحدة، حيث تُصبح الحقيقة نصفَ حقيقة، ويُراد للبنانيين أن يقتنعوا بأن النصف المفقود لا وجود له.
ومن هنا، تكتسب الكلمة التي تصدر عن منبر رئاسة الجمهورية وزنًا استثنائيًا، لأن الرئاسة تمثل صورة الدولة في وجدان اللبنانيين، وصوتها الجامع، والمرجعية التي يُفترض أن تظل فوق الاصطفافات السياسية. وكلُّ خطابٍ يصدر عنها ينعكس مباشرةً على وحدة اللبنانيين وثقتهم بمؤسساتهم.
إن مقام رئاسة الجمهورية ليس ملكًا لفريقٍ سياسي، ولا منصةً لتسجيل النقاط على الخصوم، وإنما هو رمزُ وحدة الوطن، وحارسُ الدستور، والمرجعية التي يلجأ إليها جميع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم. ومن هنا، فإن كلَّ كلمةٍ تُقال في هذا المقام ينبغي أن تُوزن بميزان المصلحة الوطنية، لا بميزان السجال السياسي.
ومن يُكثر الحديث عن الوطنية والسيادة، عليه أن يُقنع اللبنانيين أولًا بأن السيادة لا تتجزأ، وأن التبعية لا تتحول إلى استقلالٍ لمجرد اختلاف هوية الجهة التي تُمارسها. فالقرار الوطني يفقد معناه كلما امتدت إليه أيدي الخارج، أيًّا كان اسم ذلك الخارج أو عنوانه.
ونحن مع استقلالية القرار اللبناني قولًا وفعلًا، والبداية تكون بمنع الرؤساء والسفراء، وفي مقدمتهم الأميركي، وسائر ممثلي الدول الشقيقة والصديقة، من التدخل العلني والوقح في أدقِّ تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ومن ممارسة الضغوط على مؤسسات الدولة واستحقاقاتها. عندها فقط يكتسب الحديث عن السيادة صدقيته، ويتحول من شعارٍ إلى ممارسة.
أما الإصرار على رؤية نوعٍ واحد من التدخلات، وتجاهل أنواعٍ أخرى أخطر بكثير، فهو تجسيدٌ كامل لسياسة النظر بعينٍ واحدة. فالمعايير لا تُفصَّل على قياس المواقف، والسيادة لا تُختصر في الملف الذي يناسب الخطاب السياسي، ثم تُغيَّب عن بقية الملفات.
والوطنية لا تُمنح بصكوكٍ سياسية، ولا تُسحب ببياناتٍ إعلامية، ولا تُقاس بحدَّة الخطاب، وإنما تُقاس بثبات الموقف، وبالانحياز الدائم إلى لبنان، وبرفض كل وصايةٍ، وكل احتلالٍ، وكل تدخلٍ خارجي، مهما تبدلت أسماؤه أو تبدلت خرائط مصالحه، لا بالانبطاح والإذعان، ولا بالتآمر الذي يمارسه بعضهم، ولا بالاستقواء تارةً بالصهيوني، وتارةً بالأميركي، وتاراتٍ بغيرهما، في سبيل خلق إطارٍ يمنح الشرعية لعدوٍّ لا يملك حتى شرعية وجوده.
لبنان أحوجُ ما يكون اليوم إلى خطابٍ يجمع ولا يفرّق، ويطمئن ولا يستفز، ويؤسس لدولةٍ يشعر جميع أبنائها أنهم شركاء فيها، لا متهمون أمامها. وهذا ما يفرض على كل من يتحدث من منبر الرئاسة أن يجعل الوطن حاضرًا قبل السياسة، والدستور قبل الاصطفاف، واللبنانيين جميعًا قبل أي اعتبارٍ آخر.
فالأوطان لا تُدار بعينٍ واحدة، ولا تُحمى بمعيارين، ولا تُبنى على انتقاء الحقائق. وكلُّ من يُصرُّ على رؤية نصف المشهد سيبقى عاجزًا عن فهم المشهد كله، لأن الحقيقة لا تُبصر إلا بعينَي العدالة والإنصاف، أما سياسةُ أعور الدجّال فلا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من الضياع.
ولبعض مدّعي السيادة نقول: لا تُحاضروا بالوطنية ولبوسُ التبعية لباسُكم، ولا بالعفة والمسؤولية وارتكابُ الجرائم تراثُكم. وهذه صبرا وشاتيلا شاهدةٌ على إجرامكم، وعلى مَن كان رهانُكم. فإن تُبتم، فتوبوا توبةً نصوحًا، وحافظوا على ما تبقى من لبنان، ولا تؤججوا النيران، ولا تُشرعنوا العدوان، واحذروا من زلَّة اللسان… فلكلِّ مقامٍ مقال، ومقامُ الجمهورية أولى بأن يجمع اللبنانيين، لا أن يزيد بينهم مسافاتِ الخلاف.

شاهد أيضاً

سلامٌ على من ناصر اليمن حين خذله العالم حكاية الصمود من الحصار إلى القوة

حميد عبدالقادر عنتر سلام الله على إيران إيران هي الدولة الوحيدة التي وقفت مع اليمن …