بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
يقولون إن الأقدار تُكتب في السماء، وإن الإنسان لا يملك سوى أن يسير نحوها دون أن يدري. نخطط كثيرًا، ونرسم خرائط لأحلامنا، ونعتقد أننا أصحاب القرار، ثم تأتي لحظة واحدة تقلب كل الحسابات، فنكتشف أن ما كُتب لنا كان يسير إلينا منذ زمن، بصمتٍ لا يسمعه إلا القدر.
هناك شابٌ اعتاد أن يقف كل صباح أمام إحدى المدارس، لا لأنه طالب فيها، ولا لأنه يعمل بين جدرانها، بل لأنه كان يتولى إيصال أحد التلاميذ إليها. كان المشهد يتكرر كل يوم، حتى أصبح جزءًا من تفاصيل حياته. لكن ما لم يكن يعلمه أحد، أن قلبه لم يعد ينتظر وصول التلميذ إلى المدرسة، بل صار ينتظر خروج معلمةٍ خطفت انتباهه منذ النظرة الأولى.
لم يكن يعرف عنها شيئًا؛ لا اسمها، ولا حياتها، ولا حتى إن كانت تشعر بوجوده. كان يكتفي بأن يراها من بعيد، ثم يعود وفي داخله شعور غريب لا يستطيع تفسيره. كان يخشى أن يقترب، ويخاف أن يبوح بما في قلبه، ليس ضعفًا، بل خوفًا من أن يسمع كلمة واحدة تنهي كل ذلك الأمل الصامت.
ومضت الأيام، وبقي الحب حبيس القلب. كان يراقبها بصمت، ويحمل لها دعاءً لا تعرفه، بينما كانت هي تمارس حياتها بشكل طبيعي، غير مدركة أن هناك قلبًا ينتظر لحظة واحدة تجمعه بها.
لكن القدر كان ينسج خيوطه بهدوء.
شاءت الأقدار أن يصبح التلميذ الذي كان الشاب يوصله إلى المدرسة أحد تلامذة تلك المعلمة نفسها. لم يكن الأمر في نظر الجميع سوى صدفة عابرة، لكنه عند الله كان بداية حكاية كُتبت قبل أن يعرف كلٌّ منهما الآخر.
بدأ التلميذ يحدث معلمته عن الشاب، ويحدث الشاب عنها، حتى أصبح الجسر الذي لم يخطط له أحد. عرف الشاب اسمها، وتعرّف إلى شخصيتها، وعلم عنها ما جعله يزداد يقينًا بأن قلبه لم يخطئ اختياره. وبعد وقتٍ طويل، حصل على رقم هاتفها، لكنه ظل مترددًا. كتب الرسالة الأولى عشرات المرات ثم حذفها، واتصل ثم أغلق الهاتف قبل أن يرن، وكأنه كان يخوض معركةً بين قلبه وخوفه.
وبعد محاولات عديدة، جاء الرد.
لم يكن الرد مجرد كلمات، بل كان بابًا فتحه الله في الوقت الذي اختاره هو، لا في الوقت الذي اختاره الإنسان.
أما هي، فقد اعترفت لاحقًا بأنها كانت تشعر براحة غريبة كلما رأته، لكنها لم تكن تعرف حقيقة ذلك الشعور، ولم تسمّه حبًا. كانت تظنه مجرد ارتياح عابر، حتى اكتشفت أن بعض المشاعر تحتاج إلى الوقت كي تعرّف نفسها.
ومن رسالة إلى حديث، ومن حديث إلى اهتمام، ومن اهتمام إلى ثقة، بدأت الأرواح تتعارف قبل القلوب. لم يكن بينهما استعراض للمشاعر، بل كان هناك احتواء، واحترام، وصدق، وإحساس بأن كل واحد منهما وجد في الآخر ما كانت الحياة قد حرمته منه.
لقد كان الحب بالنسبة إليها دواءً رمّم ما كسرته الأيام، وكان بالنسبة إليه الحلم الذي ظن طويلًا أنه مستحيل. عوّض كلٌّ منهما الآخر عن سنوات من الانتظار، حتى أصبح وجود أحدهما في حياة الآخر نعمةً لا تُقدّر بثمن.
ثم جاء اليوم الذي لم يعد فيه لقب “حبيبان” يكفي لوصف العلاقة، فتحولت تلك القصة التي بدأت بنظرة صامتة أمام بوابة مدرسة إلى بيتٍ يجمع قلبين، وإلى زوجين كتبت السماء لهما أن يلتقيا في الوقت الذي أراده الله.
وهنا ندرك أن الحب الحقيقي ليس ما نصنعه نحن، بل ما يصنعه الله لنا. قد يؤخره لحكمة، وقد يخبئه خلف أبوابٍ نظنها مغلقة، ثم يفتحها بطريقة لا تخطر على بال أحد. فكم من لقاءٍ ظننّاه مصادفة، وكان في الحقيقة موعدًا كتبه القدر منذ سنوات.
إن الله إذا أراد أن يجمع قلبين، سخّر الأسباب كلها، حتى تلك التي تبدو في نظرنا عادية. قد يجعل طفلًا رسولًا بين قلبين، أو موقفًا عابرًا بدايةً لعمرٍ كامل. فالقدر لا يحتاج إلى خطط البشر، لأنه يسير بأمر الله وحده.
ولعل أجمل ما في الحب أنه ليس فقط شعورًا يجمع بين اثنين، بل رحمةٌ إلهية تعيد ترميم الأرواح التي حطمتها الحياة، وتخبرها أن بعد كل انتظارٍ لقاء، وبعد كل صبرٍ عوض، وأن يد الله، إذا أرادت شيئًا، قالت له: كن… فيكون.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
