*بين مطرقة الحرب وسندان البقاء: هل يدفع التطرّف الصهيوني العالم نحو انفجار جديد؟

✍️ يوسف أبو سامر موسى

تعيش المنطقة والعالم مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد تختلط فيها الحسابات السياسية بالمصالح الشخصية وتتقاطع فيها مشاريع البقاء في السلطة مع رهانات الحرب والسلام وفي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الداعية إلى إخماد الحرائق المشتعلة في أكثر من بقعة من العالم لا تزال قوى التطرّف تسعى إلى إبقاء المنطقة رهينة التوتر والصراع بل والعمل على توسيع نطاق المواجهات بما يهدد الأمن والاستقرار الدوليين.
لقد أشرنا سابقاً إلى أن المرحلة المقبلة ستكون بالغة الخطورة رغم ما يلوح في الأفق من مؤشرات تدعو إلى التفاؤل وإلى محاولة إنقاذ العالم من حالة الانفلات التي ضربت القوانين الدولية والقيم الإنسانية، فما شهدته فلسطين ولبنان خلال السنوات الأخيرة من حروب ودمار وجرائم ابادة واسعة النطاق لم يكن مجرد أحداث عابرة بل شكّل نموذجاً صارخاً لتراجع منظومة العدالة الدولية أمام منطق القوة والغلبة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من التيار اليميني المتشدد وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش الذين لا يخفون رغبتهم في استمرار المواجهة وتوسيعها وتدمير واحتلال مدن عربية سواء لأسباب أيديولوجية أو لحسابات سياسية داخلية تتعلق ببقاء الحكومة الحالية فكلما طال أمد الحرب تأجلت الاستحقاقات الداخلية وتراجعت الضغوط السياسية والقضائية التي تلاحق قادة هذه الحكومة وفي المقابل تبدو الإدارة الأمريكية أمام معادلة مختلفة فالرئيس دونالد ترامب الذي تبنى في مراحل مختلفة سياسات تصعيدية تجاه خصوم الولايات المتحدة يجد نفسه اليوم أمام تحديات داخلية وخارجية ومن اهمها الركود الاقتصادي وتراجع الدولار وارتفاع الاسعار في الداخل الامريكي تجعل من إنهاء الصراعات أو الحد منها مصلحة سياسية مباشرة له ولإدارته كما أن نائبه فانس يُنظر إليه باعتباره أقل اندفاعاً من كثير من السياسيين الأمريكيين التقليديين في تبني الرؤية الإسرائيلية بصورة مطلقة الأمر الذي يفتح الباب أمام تباين محتمل في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب.
ومن هنا تتجلى خطورة المشهد فحين تتعارض مصالح دعاة الحرب مع مصالح من يسعون إلى احتواء النزاعات ترتفع احتمالات التصعيد السياسي والأمني وتكثر محاولات الضغط والتأثير وتبادل الرسائل بين مختلف الأطراف.
غير أن تناول هذه التطورات يقتضي التمييز بوضوح بين الوقائع المثبتة وبين الاستنتاجات أو الفرضيات السياسية التي يتبناه البعض لمجرد التحليل رغم عدم وجود أدلة موثقة أو نتائج تحقيقات رسمية تثبت تورط جهات يهودية أو إسرائيلية في اغتيال الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي أو في هجمات هجمات 11 سبتمبر أو في محاولات استهداف الرئيس ترامب وما يُتداول في هذا السياق يبقى ضمن إطار النظريات والاتهامات السياسية التي لم تثبتها الجهات المختصة للان و مع ذلك فإن الخشية الحقيقية لا تكمن في صحة هذه الروايات من عدمها بل في إمكانية استغلال أي حادث أمني كبير أو عملية اغتيال أو عمل إرهابي لإشعال حروب جديدة وتأجيج العداء بين الدول والشعوب، فالتاريخ الحديث مليء بالأحداث التي تحولت إلى ذرائع للتصعيد العسكري وإعادة رسم التحالفات وإنتاج موجات جديدة من الصراعات، إن الخطر الأكبر اليوم يتمثل في استمرار منطق صناعة الأعداء وتأجيج النعرات وتغذية الكراهية من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة فالعالم لم يعد يحتمل حرباً واسعة جديدة والمنطقة التي أنهكتها الحروب والاحتلالات والنزاعات تحتاج إلى حلول سياسية عادلة لا إلى مزيد من الوقود الذي يُلقى في نار مشتعلة أصلاً.
ومن هنا فإن المطلوب من القوى الدولية الفاعلة وفي مقدمتها الولايات المتحدة أن تتعامل مع التطورات الجارية بعقلانية ومسؤولية وأن تمنع أي طرف من جرّ العالم إلى مواجهة أوسع خدمة لأجندات حزبية أو شخصية فالمعادلة الحقيقية اليوم ليست معادلة بقاء أشخاص في السلطة بل معادلة بقاء الأمن والاستقرار الدوليين في مواجهة مشاريع الفوضى والحروب المفتوحة.
لقد أثبتت التجارب أن إشعال الحروب أسهل بكثير من إخمادها وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن دائماً و لذلك فإن الواجب الأخلاقي والسياسي يفرض الوقوف في وجه كل محاولة لاستثمار الدماء والأزمات من أجل إعادة إنتاج الصراعات أو جرّ البشرية إلى جولات جديدة من الدمار وعدم الاستقرار.
*ختاماً:* وفي ظل التصعيد المتواصل والتجاذبات الدولية الحادة تبرز المخاوف من أن أي استهداف لشخصيات أمريكية رفيعة المستوى وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب أو نائبه فانس قد يُستغل سياسياً لإعادة توجيه بوصلة الصراع نحو إيران بغض النظر عن هوية الفاعل الحقيقية أو نتائج التحقيقات فمثل هذا الحدث إن وقع من شأنه أن يوفر الذريعة التي يبحث عنها دعاة الحرب لإحياء مشروع المواجهة الشاملة وإعادة حشد الرأي العام الغربي خلف خيارات عسكرية أثبتت التجارب فشلها وكلفتها الباهظة ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى أعلى درجات الحذر والشفافية لأن أي محاولة لاستثمار الدماء أو توظيف الأحداث الأمنية في سياق الصراع القائم لن تخدم إلا القوى الساعية إلى إدامة الحروب وتوسيعها وفي مقدمتها حكومة الاحتلال التي ترى في استمرار التوتر الإقليمي فرصة للهروب من أزماتها الداخلية واستعادة ما فقدته من دعم سياسي وشعبي على الساحة الدولية فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول من يربح الحرب بل حول من ينجح في منع جرّ العالم إلى حرب جديدة قد تتجاوز في آثارها وحدودها كل ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية.

*✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث وكاتب سياسي/فلسطين.*

الجمعة 25 حزيران 2026

شاهد أيضاً

ليلة العاشر… حين وقف التاريخ على حدِّ السيف، وانتصر الدم على العرش

الإعلامية جمانة كرم عياد ليلةُ العاشر من محرّم… ليست ليلةً عابرة في سجلّ الزمن، بل …