بقلم: عمرو صابح
في كل عام، ومع حلول ذكرى هزيمة الخامس من يونيو 1967، يخرج علينا بعض من يصفون أنفسهم بالمثقفين أو الباحثين ليطرحوا السؤال ذاته:
أين وثائق النكسة؟ أين الحقائق؟!
وكأن حرب يونيو ما زالت لغزًا مغلقًا لم تُفتح ملفاته، أو أن قادتها وشهودها رحلوا دون أن يتركوا رواياتهم وشهاداتهم للأجيال اللاحقة.
والحقيقة أن هذا الادعاء لا يصمد أمام أبسط مراجعة للمصادر المتاحة.
فربما لا توجد حرب في التاريخ المعاصر كُتب عنها هذا الكم الهائل من المذكرات والشهادات والوثائق مثل حرب الخامس من يونيو 1967. لقد تحدث معظم القادة السياسيين والعسكريين الذين كانوا في مواقع المسؤولية، وتركوا شهاداتهم مكتوبة أو مسجلة، ونُشر الكثير منها في كتب ووثائق ومقابلات وتسجيلات أصبحت متاحة للباحثين والقراء منذ عقود.
فالمشير عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة، نُشرت مذكرات عديدة منسوبة إليه عن أحداث الحرب. كما نشر شمس بدران، وزير الحربية وقت الحرب، مذكراته وروايته للأحداث. وأصدر صلاح نصر، رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، مذكراته التي تناولت وقائع الحرب.
أما الفريق صدقي محمود، قائد القوات الجوية أثناء الحرب، فقد كتب مذكراته وشهادته التفصيلية عن أوضاع سلاح الطيران وما جرى خلال الأيام الحاسمة. كما نشر اللواء عبد الحميد الدغيدي، قائد قوات الدفاع الجوي في سيناء ومنطقة القناة، مذكراته حول الأحداث العسكرية التي سبقت الحرب وأثناءها.
وكتب الفريق أول محمد فوزي، رئيس الأركان ثم القائد العام للقوات المسلحة بعد الحرب، مذكراته، التي تُعد من أهم المراجع العسكرية المصرية عن تلك الفترة. كما كتب الفريق محمد صادق، مدير المخابرات الحربية أثناء الحرب ثم وزير الحربية لاحقًا، مذكراته عن الحرب. ونشر الفريق أنور القاضي، رئيس هيئة العمليات خلال الحرب، شهادته عن إدارة العمليات العسكرية خلال أيام القتال.
كذلك كتب الفريق عبد المحسن مرتجي، قائد الجبهة في سيناء أثناء حرب يونيو 1967، مذكراته عن الحرب. كما دوّن الفريق صلاح الدين الحديدي، قائد المنطقة المركزية أثناء الحرب ثم رئيس المحكمة العسكرية التي حاكمت قادة يونيو بعد الهزيمة، شهادته في كتابه المهم «شاهد على حرب 1967»، وهو من المصادر الأساسية لفهم كثير من الوقائع والملابسات المتعلقة بالحرب وما أعقبها.
كما كتب أمين هويدي، الذي تولى منصب وزير الحربية ورئيس جهاز المخابرات العامة بعد الحرب، العديد من الكتب عن حرب 1967.
ولا تتوقف الشهادات عند هؤلاء فقط، بل إن عشرات القادة والضباط الذين شاركوا في الحرب أو عايشوا أحداثها كتبوا مذكراتهم أو أدلوا بشهاداتهم في كتب ودراسات ومقابلات وبرامج وثائقية على مدى عقود طويلة.
بل إن بعض القادة لم يكتفوا بكتابة مذكراتهم، وإنما تركوا أكثر من رواية وأكثر من شهادة في أزمنة مختلفة، الأمر الذي يتيح للباحث المقارنة بين الروايات وتتبع التفاصيل بدقة، وهو وضع نادر نسبيًا في دراسة كثير من الحروب والأحداث التاريخية الكبرى.
أما الرئيس جمال عبد الناصر نفسه، فقد نُشر قدر كبير من محاضر اجتماعاته المكتوبة والمسجلة صوتيًا عن فترة ما قبل الحرب وما حدث عقب الهزيمة، وهي محاضر تكشف تفاصيل دقيقة للغاية عن المناقشات التي جرت داخل مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، وتتضمن مراجعات وتقييمات وأسماء ووقائع تكاد تصل إلى مستوى تفاصيل التفاصيل.
كما أن الرئيس أنور السادات أصدر عام 1975 قرارًا بتشكيل لجنة لتسجيل وكتابة تاريخ ثورة 23 يوليو، وقامت هذه اللجنة بإجراء وتسجيل شهادات عدد كبير من قادة القوات المسلحة الذين شاركوا في حرب يونيو 1967 أو كانوا شهودًا على أحداثها. وقد أضافت هذه الشهادات الرسمية مادة تاريخية ضخمة إلى ما كان منشورًا بالفعل من مذكرات ووثائق.
كما أصدر الكاتب الصحفي مصطفى بكري خمسة أجزاء من سلسلة بعنوان «ناصر 67.. هزيمة الهزيمة»، احتوت على مجموعة من المحاضر السرية لاجتماعات الرئيس جمال عبد الناصر من عام 1967 حتى وفاته عام 1970.
ولم تقتصر المصادر المتاحة على المذكرات المطبوعة والوثائق المكتوبة، بل امتدت إلى الشهادات الصوتية والمرئية المسجلة أيضًا. فقد نشرت قناة «Nasser TV» تسجيلًا نادرًا للرئيس جمال عبد الناصر خلال لقائه بالطيارين المصريين في قاعدة أبو صوير الجوية في 22 مايو 1967، بحضور المشير عبد الحكيم عامر، وفيه يؤكد المشير للرئيس جاهزيته للحرب.
كما نشرت قناة «Nasser TV» تسجيلات صوتية أجرتها الدكتورة هدى جمال عبد الناصر مع الفريق أول محمد فوزي، تضمنت شهادته عن حرب الخامس من يونيو 1967 بصوته.
ثم نشرت قناة «Nasser TV» تسجيلًا صوتيًا نادرًا آخر للفريق أول محمد فوزي، وهو يلقي أمام الرئيس جمال عبد الناصر بيانًا يتضمن أعداد شهداء وجرحى القوات المسلحة المصرية في حرب اليمن وحرب يونيو 1967 وحرب الاستنزاف.
وإلى جانب كل ذلك، ظهرت على مدى العقود الماضية وثائق مصرية وعربية وروسية وأمريكية وبريطانية وإسرائيلية، أضافت هي الأخرى تفاصيل جديدة إلى الصورة التاريخية للحرب، وأتاحت للباحثين فرصة المقارنة بين الروايات المختلفة وفهم الأحداث من زوايا متعددة.
لذلك فالمشكلة ليست في غياب الوثائق عن وقائع النكسة، بل في غياب قراءتها. فالمذكرات والشهادات ومحاضر الاجتماعات والتسجيلات والوثائق المصرية والأجنبية متاحة منذ عقود.
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: «أين الوثائق؟»، بل: «من الذي قرأها؟».
أما تكرار السؤال رغم كل ما نُشر، فلا يدل على غياب الحقيقة بقدر ما يدل على غياب الرغبة في البحث عنها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
