ضاربة في وجدان أهل الأرض الشرفاء، قاسية نفسياً ومعنوياً على جنود نخبة الاحتلال: “جئنا ولم نجدكم”! عبارة تلخص الواقع الذي يضخّ كرامةً وعزة في الدفاع عن أديم الأرض وتراب لبنان من جنوبه إلى أقصى شماله.
الكاتب: عبد الله ذبيان
عندما يفشل جيش الاحتلال في أرض الميدان، خاصة في المعركة ضد المقاومين على أرض الجنوب اللبناني، يلجأ إلى أساليب أخرى بغرض إحباط الأهالي والرأي العام اللبناني.
أول هذه الأساليب التي يفاقمها العدو مع كل إحباطٍ على الأرض، يتظهّر في ارتكاب المجازر بحق المدنيين واستهداف الآمنين والمسعفين والمستشفيات وغيرها، بغرض تأليب الناس.
بالتوازي، ومع تعثّر الأهداف العسكرية للعدوان، تتصاعد الحملات الإعلامية والنفسية الهادفة إلى تشويه صورة المقاومة وإضعاف بيئتها الشعبية. حيث يرى مراقبون أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية في التأثير على الرأي العام والمعنويات.
فالاحتلال يسعى إلى تثبيت ما يسمى بـ “الأرمادا النفسية” (Psychological Armada).
في المقابل، تؤكد التقارير أن المقاومة استطاعت كسر هذه الحرب النفسية في مختلف جولاتها. ويبرز ذلك من خلال الرد على هذه الحملات عبر التركيز على صلابة الميدان، مصداقية الخطاب الإعلامي، وفشل الدعاية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها بكسر الإرادة الشعبية.
وعلى هذا المنوال، نسجت مسيّرات الحزب الإنقضاضية واقعاً نفسياً مغايراً تماماً، فالمسيّرة لا تُنذر دائماً، وتُحلّق بصمت، وتصل إلى ما يعجز الإنذار المبكر عن التنبّه له.
وهنا مثلاً، يرى رئيس مجلس “شلومي الإسرائيلي” أن بلدته تتلقى ما بين 54 إنذاراً يومياً، في حين يصف سكان “زرعيت” كيف يستيقظون صباحاً ليجدوا مئات الأمتار من الألياف البصرية فوق مركباتهم ومواقف الحافلات والأشجار. هذا النوع من التهديد لا يُشبه شيئاً سبق، ويُوجد قلقاً مستداماً لا يُخفّفه أيُّ انتصار عسكري مُعلن.
أخصائية نفسية: للميادين نت: “جئنا ولم نجدكم” اختزلت مشهداً كاملاً
الأخصائية والمعالجة النفسية إيمان طرّاف نعيم تفرد لـ الميادين نت، أبعاد العوامل النفسية، ومندرجات السردية التي يراد عبرها تثبيط العزائم وزرع الشك ونشر الشائعات والهوان، لدى المواطنين، تمهيداً لتفتيت الداخل والقبول بشروط الاحتلال.
كذلك، تقدّم الرسامة والفنانة التشكيلية ومديرة “محترف الألوان”، ألاء كركي، اللوحات المنشورة عبر هذا التقرير، وهي تلعب دوراً هاماً مع غيرها من الفنانين في رفد البوصلة بصوابية نحتاجها في زمن التهويل للباطل، وتمهيش الحق.
اقرأ أيضاً: عندما تضجّ الخطوط بالتضحيات في “محترف الألوان” (صور ومشهديات)
حين تُحلّق المسيّرة فوق الشقيف
فوق صخور الشقيف الشامخة، حيث تتشابك الذاكرة بالحجارة وتتجذّر الهوية في كل شبر من التراب، حلقت المسيّرة بحرية كاملة وأطلقت رسالتها الموجزة التي اختزلت مشهداً كاملاً: “جئنا ولم نجدكم”
4 كلمات فقط، لكنها حملت أبعاداً تتجاوز حدثاً عسكرياً عابراً، لتتحول إلى رسالة نفسية وسياسية وإعلامية في آن واحد.
الشقيف: أكثر من موقع عسكري
قبل قراءة المشهد، لا بد من التوقف عند المكان نفسه. فالشقيف ليست مجرد قلعة أو موقع يُحدَّد على الخريطة بإحداثيات جغرافية، بل هي رمز تاريخي راسخ في الوجدان الراسخ. على مدى قرون”.
من هنا، لم يكن اختيار هذا الموقع لتوثيق تحليق المسيّرة مجرد قرار تقني أو إعلامي، بل حمل دلالة رمزية واضحة تستدعي التاريخ وتوظفه في معركة الحاضر. فالرسالة لم تكن موجهة إلى الخصم وحده، بل إلى الذاكرة الجماعية أيضاً: هذه الأرض لم تُسلَّم، ولن تُسلَّم بسهولة.

Screenshot
الحرب التي تبدأ قبل إطلاق النار
منذ أقدم الحروب، أدرك القادة العسكريون أن الهزيمة لا تبدأ دائماً في الميدان. فالجيش الذي تتصدع روحه المعنوية يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على القتال قبل أن تبدأ المواجهة المباشرة. حين يتسلل الشك إلى عقل الجندي، ويهتز يقينه بقيادته، ويبدأ بالتساوُل عن جدوى ما يقوم به، تكون الحرب النفسية قد حققت جزءاً مهماً من أهدافها.
الأخصائية إيمان طراف نعيم: تبدو عبارة “جئنا ولم نجدكم” أكثر من مجرد تعليق على حدث ميداني. إنها رسالة نفسية مكثفة تستمد قوتها من بساطتها. فالكلمات القليلة غالباً ما تترك أثراً أكبر من الشروحات الطويلة.
في هذا السياق، يمكن قراءة فيديو “جئنا ولم نجدكم” بوصفه رسالة تتجاوز الاستعراض العسكري المباشر. فالمسيّرة لم تقل: نستطيع إيذاءكم، بل قالت ما هو أبعد من ذلك:
– نستطيع الوصول.
– نستطيع التوثيق.
– نستطيع أن نجعل الجميع يشاهد.
والفارق كبير جداً بين تهديدٍ يثير الخوف، وبين مشهدٍ يثير الحرج والتساؤلات.
ماذا يحدث في عقل الجندي؟
تعتمد “العقيدة الأمنية الإسرائيلية”، تاريخياً، على عنصرين أساسيين: الردع والسيطرة. ويُدرّب جندي الاحتلال على صورة مؤسسة عسكرية تمتلك التفوق والقدرة على كشف المخاطر واحتوائها.
لكن عندما تظهر مشاهد توحي بوجود ثغرات أو مناطق عجز، تبدأ الأسئلة بالتراكم في ذهنه:
_ كيف وصلت المسيّرة؟
_ هل كانت القيادة على علم؟
_ ما حدود السيطرة الفعلية؟
_ هل ما زالت صورة التفوق كما كانت؟
في علم النفس العسكري، لا تكمن خطورة هذه الأسئلة في مضمونها فحسب، بل في تكرارها واستمرارها دون إجابات مقنعة، لأنها تؤثر تدريجياً في الثقة والجاهزية المعنوية. ويزداد التأثير عندما ينتقل المشهد من الميدان إلى المجال العام، حيث يشاهده الجنود وعائلاتهم والرأي العام، فتتوسع دائرة التساؤلات والضغوط النفسية.

Screenshot
الردع بين الصورة والواقع
يقوم الردع، في جوهره، على اقتناع الخصم بأن كلفة المواجهة ستكون مرتفعة إلى درجة تمنعه من المبادرة. غير أن الردع ليس قوة مادية فقط، بل صورة ذهنية أيضاً.
وعندما تتعرض هذه الصورة للاهتزاز، يصبح ترميمها أكثر صعوبة من ترميم الخسائر الميدانية نفسها. من هذه الزاوية، يمكن فهم أهمية الرسائل الإعلامية المختصرة ذات الأثر الرمزي المرتفع، فهي لا تسعى فقط إلى نقل حدث، بل إلى التأثير في الإدراك الجماعي لكلا الطرفين.

Screenshot
ما هي الرسالة إلى الصامدين؟
في المقابل، بالنسبة للمقاومين وعائلاتهم وكل من يعيش تحت وطأة العدوان، تحمل مثل هذه الرسائل معنى مختلفاً تماماً:
– أولاً: تُذكّر بأن الصراع لا يُحسم فقط بالتفوق العددي أو التكنولوجي، بل بالإرادة والقدرة على المبادرة والاستمرار.

Screenshot
– ثانياً: تؤكد أن الصمود ليس موقفاً دفاعياً سلبياً، بل فعل يومي ينتج وقائع جديدة ويمنح المعنى للتضحيات مهما اشتدت الظروف.
طرّاف: تبرز أهمية الرموز والشعارات والصور التي تمنح الناس إحساساً بأنهم ما زالوا قادرين على الفعل والتأثير رغم الظروف الصعبة.
أما العائلات التي تتحمل أعباء الانتظار والقلق والفقد، فهي جزء من هذه المعادلة أيضاً، لأن الجبهة النفسية والاجتماعية لا تقل أهمية عن الجبهة العار الكاذبة
وهنا، تثبت التجارب الدولية أن إدارة المشهد الإعلامي تصنع فارقاً حاسماً في نتائج الحروب: المعركة، الحرب، الدور الإعلامي والأثر النفسي.
كيف تعمل الحرب النفسية على العقول قبل الميدان؟
في الحروب الحديثة، لا تُختزل القوة بعدد الطائرات والصواريخ فقط، بل بالقدرة على التأثير في عقول الناس ومشاعرهم وتصوراتهم. فالمعارك لا تُخاض على الأرض وحدها، وإنما داخل النفوس أيضاً، حيث تتشكل الثقة والخوف والأمل والشك.

Screenshot
اقرأ أيضاً: لماذا قلعة الشقيف؟
من هذا المنظور، تبدو عبارة “جئنا ولم نجدكم” أكثر من مجرد تعليق على حدث ميداني. إنها رسالة نفسية مكثفة تستمد قوتها من بساطتها. فالكلمات القليلة غالباً ما تترك أثراً أكبر من الشروحات الطويلة، لأنها تدفع المتلقي إلى ملء الفراغ بنفسه، وتجعله شريكاً في إنتاج المعنى.
الحروب الحديثة تُدار أمام الشاشات
يعرف علماء النفس: “أن الإنسان لا يخاف دائماً مما يراه، بل مما يتخيله. ولذلك فإن الرسائل النفسية الأكثر تأثيراً ليست تلك التي تُظهر القوة بشكل مباشر، بل تلك التي تدفع المتلقي إلى التساؤل: ماذا يعرف الطرف الآخر؟ إلى أين يستطيع أن يصل؟ وما الذي يمكن أن يحدث لاحقاً؟”

Screenshot
ولا يقتصر تأثير هذه الرسائل على المقاتلين في الميدان. فالمعارك اليوم تُدار أمام شاشات الهواتف والتلفزيونات بقدر ما تُدار على خطوط المواجهة. العائلات، والأصدقاء، والرأي العام، جميعهم يدخلون في دائرة التأثر النفسي. وعندما تنتقل الأسئلة والشكوك من الجبهة إلى المجتمع، تتسع دائرة الضغط وتصبح المعركة النفسية أكثر تعقيداً.
أهمية الرموز والشعارات والصور
لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة لا يقل أهمية، فإذا كانت الرسائل النفسية قادرة على إضعاف المعنويات، فهي قادرة أيضاً على تعزيزها. فالمجتمعات التي تعيش ظروف الحرب تبحث باستمرار عن علامات تمنحها شعوراً بالتماسك والقدرة على الاستمرار.
ومن هنا تأتي أهمية الرموز والشعارات والصور التي تمنح الناس إحساساً بأنهم ما زالوا قادرين على الفعل والتأثير رغم الظروف الصعبة.
طرّاف: يمكن فهم أهمية الرسائل الإعلامية المختصرة ذات الأثر الرمزي المرتفع، فهي لا تسعى فقط إلى نقل حدث، بل إلى التأثير في الإدراك الجماعي لكلا الطرفين.
التاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن الصراعات لا تُحسم دائماً بالتفوق المادي. فكم من قوة عسكرية امتلكت العتاد والسلاح لكنها فشلت في كسب المعركة النفسية، وكم من جماعات أو شعوب استطاعت الاستمرار لأنها حافظت على تماسكها الداخلي ومعنى وجودها رغم الخسائر والضغوط.
لهذا السبب، لا يمكن فهم الحروب المعاصرة من خلال قراءة الخرائط العسكرية وحدها. فخلف كل حدث ميداني توجد معركة أخرى تدور بصمت داخل العقول: معركة الثقة واليقين والقدرة على الاحتمال؛ وفي كثير من الأحيان، تكون نتيجة هذه المعركة الخفية مؤثرة في مسار الأحداث بقدر تأثير أي مواجهة تجري على الأرض.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net







