محمد بن علي بن ضعين البادي: من المستفيد من العبث بأمن الخليج؟
15 دقيقة مضت
مقالات و رأي
2 زيارة
محمد بن علي بن ضعين البادي
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في المنطقة، يعود السؤال نفسه بإلحاح: من المستفيد من هذا العبث الذي يمس أمن الخليج واستقراره؟ فمنذ سنوات، تعيش المنطقة على وقع صراعات متشابكة بين قوى إقليمية ودولية، تتقدم فيها المصالح والحسابات السياسية على حساب الأمن والاستقرار. ومع كل تصعيد جديد، لا تبقى آثار المواجهة محصورة بين الأطراف المتنازعة، بل تمتد لتصل إلى دول مجلس التعاون الخليجي، التي تُعد اليوم أحد أهم مراكز الاقتصاد والطاقة في العالم.
والواقع أن الخليج لم يكن يوماً طرفاً مباشراً في كثير من هذه الصراعات، لكنه أصبح في قلب نتائجها؛ إذ إن اضطراب الملاحة، واستهداف المنشآت، وارتفاع التوتر الأمني، كلها أمور تنعكس مباشرة على حياة الناس، وعلى الاقتصاد، وعلى الاستقرار العام في المنطقة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يدفع الخليج ثمن صراعات لا يشارك في صناعتها؟ ولماذا تتحول أراضيه ومياهه ومرافقه إلى ساحة تأثير غير مباشر لحروب بعيدة؟ إن أمن الخليج ليس شأناً محلياً فقط، بل هو جزء من أمن العالم، لأن أي اضطراب فيه ينعكس على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ومع ذلك، يبدو أن بعض القوى تتعامل مع هذه الحقيقة وكأنها تفصيل ثانوي في مشهد أكبر، لا يراعي استقرار الشعوب ولا مستقبلها.
وفي خضم هذا التصعيد، تظهر على الساحة حرب من نوع آخر لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية، وهي الحرب الإعلامية والإلكترونية، حيث تُوجَّه اتهامات متكررة إلى كل دولة خليجية على حدة، وكأنها طرف منفرد في صراع معقّد، فتُصوَّر أحياناً بأنها منحازة أو متواطئة مع أحد أطراف الحرب. في حين أن الواقع يؤكد أن جميع دول مجلس التعاون بلا استثناء قد تضررت بدرجات مختلفة من هذا التوتر، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار. ومع ذلك، تعمل “الجيوش الإلكترونية” على تضخيم الشائعات وتفكيك الموقف الخليجي الموحد عبر حملات منظمة تستهدف كل دولة على حدة، وتكيل لها الاتهامات بالعمالة أو الانحياز دون دليل واضح؛ هذا النمط من الاستهداف لا يخدم الحقيقة بقدر ما يهدف إلى إرباك الرأي العام، وإضعاف الثقة بين الشعوب وحكوماتها، وتحويل الضحية إلى متهم في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.
إن الشعوب الخليجية اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكومات، وهي أن تقف صفاً واحداً خلف قياداتها، وأن تحافظ على وحدتها وتماسكها في وجه كل ما يُحاك من حملات تضليل وشائعات تستهدف زرع الشك وتفكيك الثقة بين أبناء الخليج الواحد. فالوطنية الحقيقية تظهر في أوقات الأزمات، حين يُختبر الوعي لا العاطفة، وحين يُراد للناس أن ينجرّوا خلف أصوات تخوّن وتفرّق أكثر مما تجمع. ومن الحكمة أن نأخذ العبرة من قادة دول مجلس التعاون الذين لا تزال اتصالاتهم مستمرة وجهودهم متواصلة ليلاً ونهاراً من أجل احتواء التوتر وإطفاء نيران الفتنة قبل أن تتسع، تأكيداً على أن أمن الخليج خيار جماعي لا يحتمل التفرقة ولا الاصطفاف خلف الشائعات.
إن الحكمة تقتضي أن تكون الأولوية للتهدئة لا للتصعيد، وللحوار لا للصدام، لأن استمرار التوتر لا يصنع منتصراً حقيقياً، بل يترك الجميع خاسراً بدرجات مختلفة. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: من الذي يستفيد فعلاً من زعزعة أمن الخليج؟ ومن الذي يدفع الثمن في النهاية؟
كاتب عُماني