زينب جهاد نزال
ليس من المنطقي أن يتحوّل الفرح في لبنان إلى ردّة فعل على أبسط ما يجب أن يكون متاحًا أساسًا. فالمواطن الذي يصفّق لوصول الكهرباء أو انتظام المياه أو حتى افتتاح مطار جديد، لا يحتفل بإنجازٍ استثنائي، بل بحقوق وخدمات بديهية تُعدّ من أساسيات أي دولة طبيعية. المشكلة ليست في الفرح، بل في أن سقف التوقعات انخفض إلى درجة أصبح فيها الطبيعي يُعامل كأنه إنجاز.
افتتاح مطار جديد قد يبدو خطوة مهمة، لكن قيمته الحقيقية تُقاس بالسياق: هل هو جزء من خطة تطوير شاملة؟ هل ينعكس فعليًا على تحسين حياة الناس والاقتصاد؟ أم أنه مجرّد تعويض متأخر عن نقص مزمن؟ في دول أخرى، هذه المشاريع تُبنى ضمن مسار تقدّم مستمر، لا كأحداث استثنائية يُبالغ في الاحتفاء بها.
التقدّم الحقيقي لا يُقاس بتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، بل بتطويرها وتجاوزها نحو ما يضع البلد في موقع المنافسة. الدول لا تنهض لأنها تؤمّن الأساسيات، بل لأنها تبني فوقها، تخطّط، وتبتكر. أما أن نبقى نحتفل بما يجب أن يكون مضمونًا أصلًا، فهذا يعكس خللًا في المعايير قبل أي شيء آخر.
وينطبق الأمر ذاته على ما يحدث في الجنوب وبيروت. فوقف إطلاق النار ليس إنجازًا يُحتفى به، بل هو حق طبيعي لشعبٍ يعيش على أرضه. الأمن والاستقرار ليسا منّة من أحد، بل واجب دائم، كما أن استعادة الحقوق والسيادة مسؤولية لا يمكن التنازل عنها.
الوعي الحقيقي يبدأ عندما نعيد تعريف الأمور بأسمائها: ما هو حق نطالب به بلا مساومة، وما هو إنجاز فعلي يستحق الاحتفاء لأنه يضيف جديدًا. عندها فقط نرفع سقف طموحاتنا، وننتقل من الاكتفاء بالحد الأدنى إلى بناء وطن يليق بأبنائه.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
