د. رائد حسنين
استوقفتني كلمات الأديب والفيلسوف الكبير جبران خليل جبران حين قال: “أولادكم ليسوا لكم… أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية تُرسل إلى الأمام.” كلمات قليلة في عددها، لكنها عميقة في معناها، تختصر فلسفة كاملة في التربية والحياة والإنسان.
كثيرًا ما يظن الإنسان أن أبناءه امتداد لسلطته، وأن من حقه أن يرسم لهم تفاصيل الطريق، وأن يفرض عليهم أحلامه المؤجلة وطموحاته التي لم تتحقق. لكن جبران يفتح أمامنا نافذة أخرى لفهم العلاقة بين الآباء والأبناء؛ علاقة تقوم على المحبة لا التملك، وعلى الرعاية لا الهيمنة، وعلى التوجيه لا المصادرة.
فالرحلة تبدأ برجل وامرأة يقرران أن يخوضا معًا مغامرة الحياة، ثم يمنحهما القدر أبناءً يحملون ملامحهما وبعضًا من أحلامهما. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذه الرحلة، في جوهرها، تبدأ بزوج وزوجة وتنتهي بزوج وزوجة. أما الأبناء فهم عابرو طريق، يأتون إلى الدنيا عبرنا، لكنهم لا يعيشون لأجلنا، بل لأجل رسالتهم الخاصة في هذا العالم.
دور الأب والأم ليس أن يصنعا نسخًا مكررة من نفسيهما، بل أن يهيئا أبناءهما لمعركة الحياة. أن يزرعا فيهم القيم، وأن يمنحاهم المعرفة، وأن يسلحوهما بالأخلاق والثقة والإرادة، ثم يتركا لهم حرية اكتشاف العالم وخوض تجاربهم الخاصة. فالأبناء الذين لا يُسمح لهم بأن يحلموا بأحلامهم الخاصة، يكبرون وهم يحملون أثقال أحلام الآخرين.
في مجتمعاتنا العربية، كثيرًا ما تتحول التربية إلى مشروع للوصاية الدائمة. نريد من أبنائنا أن يدرسوا ما نريد، وأن يعملوا حيث نريد، وأن يفكروا كما نفكر. لكن الأمم الحية لا تبنى بأجيال مكررة، بل بأجيال مبدعة تمتلك الجرأة على التفكير والتجديد وصناعة المستقبل.
ولعل البعد الوطني والسياسي لهذه الفكرة لا يقل أهمية عن بعدها الإنساني. فالشعوب التي تربي أبناءها على الحرية والمسؤولية والإبداع، تخلق مواطنين قادرين على بناء أوطان قوية ومجتمعات متماسكة. أما الشعوب التي تربي أبناءها على الطاعة العمياء والخوف والتبعية، فإنها تنتج أجيالًا عاجزة عن مواجهة التحديات وصناعة التغيير.
إن التربية ليست إعدادًا للنجاح الفردي فقط، بل هي مساهمة في صناعة المستقبل الجماعي للأمة. وكل طفل نمنحه فرصة للتفكير والإبداع، إنما نضيف لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وعدالة وإنسانية.
الأب الحقيقي ليس من يفرض طريقه على أبنائه، بل من يمنحهم القدرة على شق طريقهم بأنفسهم. والأم العظيمة ليست من تبقي أبناءها تحت جناحيها إلى الأبد، بل من تعلمهم كيف يحلقون بعيدًا وهم يحملون في قلوبهم دفء البيت الأول.
لهذا بدت كلمات جبران خالدة وعابرة للأزمان؛ لأنها تذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: نحن لسنا أصحاب الأبناء، بل أمناء عليهم. نحن الأقواس التي تمنح القوة والاتجاه، أما السهام فستمضي إلى آفاق أبعد مما نتخيل، حاملة معها أحلام الحياة ورسالتها المستمرة عبر الأجيال.
وما أجمل أن ينظر الإنسان في نهاية عمره إلى أبنائه، لا باعتبارهم صورة عنه، بل باعتبارهم أشخاصًا أحرارًا استطاعوا أن يحققوا ذواتهم ويتركوا بصمتهم الخاصة في هذا العالم. عندها فقط يدرك أن رسالته قد اكتملت، وأن القوس أدى مهمته، وأن السهام أصابت غايتها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
