بين هرمز والبيت الأبيض: حين يُعاد تعريف العدو ويُمحى صانع التوازن

بقلم الكاتب نضال عيسى 

ليست كل الخطب تقال لتُفهم… بعضها يُلقى ليُعاد ترتيب ما يجب أن يُنسى، وليُعاد تعريف ما كان يوما” واضحا” حدّ اليقين. هناك لحظات في السياسة لا تُعلن نفسها كتحول، بل تتسرّب بهدوء داخل اللغة، تغيّر المفردات أولا”… ثم تغيّر الوعي.
في هذا السياق، يخرج جوزيف عون ليتحدّث عن (ثمرة جهود الجميع) ، جملة تبدو جامعة، لكنها في حقيقتها تُذيب الفوارق بين من صنع التوازن ومن أستثمر في أنهياره. فجأة، يصبح دونالد ترامب (صديقا” ) ، وكأنّ الذاكرة السياسية تُطلب منها أن تصمت، لا أن تحاكم.
أيّ صداقة هذه التي تُمنح لمن كان شريكا” في صناعة الضغط والقتل ؟ أم أنّنا أمام لغة جديدة، تُقاس فيها العلاقات لا بما كانت عليه، بل بما يُراد لها أن تكون؟
لكن الأخطر من هذا التحوّل في التوصيف، هو ذلك الصمت الثقيل. غابت إيران، لا كدولة فحسب، بل كورقة ضغطٍ قلبت موازين المشهد. غابت، وكأنّ أحدا” لم يلوّح يوما” بإغلاق مضيق هرمز، وكأنّ هذا الشريان الذي يمرّ عبره جزء كبير من نفط العالم لم يكن لحظة تهديد حقيقي أرعب الأسواق قبل السياسة.
العالم لا يتحرّك تحت وطأة الخطابات، بل تحت ضغط المصالح. وما جعل القوى الكبرى تنحني نحو التهدئة لم يكن (حكمة مفاجئة) ، بل خوفا” واضحا” من لحظة قد يُخنق فيها هذا المضيق. حينها، لا يعود الصراع محليا”، بل يصبح عالميا” ، ولا تعود النار قابلة للإحتواء.
فكيف يُختصر كل هذا بـ(جهود الجميع) ؟ وكيف يُمحى من المعادلة من أمتلك ورقة الخنق الحقيقي؟ هنا، لا يكون الحذف بريئا”… بل مقصودا” ، يُمهّد لمرحلةٍ تُعاد فيها كتابة الأدوار.
ثم تأتي العبارة الأخطر: (نفاوض عن أنفسنا ونقرر عن أنفسنا) . عبارة تبدو سيادية، لكنها تُطرح في توقيتٍ يثير الريبة. لماذا الآن تحديدا”؟ هل لأنّ هناك بابا” يُفتح نحو الولايات المتحدة؟ أم لأنّ الأرضية تُحضّر تدريجيا” لمسار قد يقترب، بشكل مباشر أو غير مباشر، من إسرائيل تحت عنوان (استعادة الحقوق) ؟
لكن الحقيقة التي لا تتغير: الحقوق لا تُمنح من الخصم، ولا تُستعاد على طاولة يتحكم بشروطها. ومن يبدل تعريف العدو، يبدّل معه حدود الخسارة.
أما الدعوة إلى (فتح العقول والقلوب) وترك (عبارات التخوين) ، فهي في ظاهرها دعوة للوحدة، لكنها في عمقها محاولة لإخماد أي أعتراض قبل أن يتشكل. لأنّ أخطر ما في هذه المرحلة ليس الأختلاف… بل إسكات الأسئلة.
لبنان اليوم لا يُدار فقط بالسياسة، بل بإعادة تشكيل وعيه. تُخفّف حدّة المفاهيم، تُبدَّل التسميات، وتُمسح خطوط الصراع تدريجيا”… حتى يصبح ما كان يوما” بديهيا” موضع شك.
وهنا، لا تكون المشكلة في ما يُقال…
بل في ما يُعاد تعريفه، بصمت، ليصبح غدا” حقيقة.

نضال عيسى

شاهد أيضاً

*خطورة حرب الوعي وأهداف العدو في استهداف العقل الجمعي للأمة

  *✍️ يوسف أبو سامر موسى* في الحروب والصراعات الكبرى يعتقد كثيرون أن الخطر الأكبر …