بقلم الإعلامي علي أحمد – مدير موقع صدى فور برس
قبل ساعات من كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، يدخل لبنان مرحلة سياسية بالغة الحساسية، مع البيان الصادر من واشنطن الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كتحول يتجاوز فكرة وقف إطلاق النار، ليصل إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك داخل لبنان، سياسياً وأمنياً وجغرافياً.
فوفق القراءة السياسية الرافضة لهذا المسار، لا يبدو الاتفاق مجرد إطار لخفض التصعيد، بل منظومة متكاملة لإعادة ترتيب الالتزامات بين الأطراف، بطريقة تُظهر اختلالاً واضحاً في طبيعة التعهدات: إجراءات تنفيذية دقيقة ومباشرة على الأرض اللبنانية، مقابل عناوين عامة وفضفاضة في الجانب الآخر، دون آليات إلزام واضحة أو ضمانات نهائية قابلة للتنفيذ الفوري.
وقف إطلاق النار، كما يُفهم من مضمون هذا الطرح، لا يأتي كخاتمة لمسار حرب، بل كبداية لمسار مشروط بخطوات متتالية داخل الجغرافيا اللبنانية، تبدأ من إعادة التموضع الأمني في الجنوب، ولا تنتهي عند إعادة تعريف وظيفة السلاح وحدود حضوره ودوره.
في المقابل، لا يتضمن النص – بحسب هذه القراءة – التزامات مماثلة وواضحة تتعلق بوقف الاعتداءات أو الانسحاب النهائي أو تثبيت ضمانات ملزمة، ما يفتح الباب أمام سؤال سياسي جوهري: هل نحن أمام اتفاق متوازن، أم أمام إعادة إدارة الصراع بأدوات مختلفة؟
وفي هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ“المناطق النموذجية”، كأحد أكثر البنود إثارة للجدل، حيث تقوم الفكرة على تقسيم جغرافي تدريجي للمناطق اللبنانية، تُخضع لانتشار الجيش اللبناني تحت رقابة آلية دولية تقودها واشنطن، على أن يتم تقييم كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبحسب منتقدي هذا الطرح، فإن هذا النموذج لا يقتصر على ترتيبات أمنية، بل يحمل في طياته إعادة تشكيل تدريجي لدور الدولة على الأرض، بحيث تتحول العملية الأمنية إلى مسار مشروط بإشراف خارجي مباشر، خطوة مقابل خطوة، ومنطقة مقابل منطقة، وفق معايير لا يحددها لبنان وحده.
كما أن احتكار المسار التفاوضي تحت رعاية أمريكية حصرية، يُقرأ سياسياً باعتباره تقليصاً لدور الوساطات الأخرى، وإعادة تمركز القرار في يد طرف دولي واحد، ما يثير مخاوف من اختلال إضافي في ميزان إدارة الملف اللبناني.
أما النقطة الأكثر حساسية، فهي الربط المباشر بين أمن إسرائيل ونزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانية، ليس كجزء من تسوية متبادلة، بل كشرط مسبق لأي استقرار أو أي تقدم سياسي لاحق. وهي نقطة يعتبرها معارضو هذا المسار جوهر التحول من منطق التسوية إلى منطق الإلزام السياسي.
وفي هذا السياق، تشير قراءات سياسية إلى أن أي عودة إلى الصيغ السابقة، سواء تلك المرتبطة باتفاقات ما قبل 27 أيلول 2024 أو ما تلاها، باتت شبه مستبعدة من وجهة نظر القوى الرافضة، التي ترى أن تلك الأطر لم تعد قابلة لإعادة البناء أو التفعيل، في ظل التحولات الميدانية والسياسية الراهنة، وأن أي محاولة لإحيائها ستصطدم بواقع جديد مختلف كلياً.
وبين هذا المسار وذاك، تترقب الأوساط السياسية كلمة الشيخ نعيم قاسم، التي يُتوقع أن تحمل سقفاً سياسياً مرتفعاً، يعكس موقفاً رافضاً لأي صيغة تُعيد إنتاج الاتفاقات السابقة أو تكرار نماذج تسوية تعتبرها غير متوازنة، في لحظة يُعاد فيها طرح أسئلة السيادة ودور الدولة وحدود القوة داخل لبنان.
وفي المحصلة، لا يبدو لبنان أمام مجرد اتفاق جديد، بل أمام لحظة سياسية مفصلية تُعيد فتح النقاش حول جوهر المعادلة: هل نحن أمام تسوية تنهي مرحلة طويلة من الصراع، أم أمام إعادة صياغة له بأدوات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً وحدّة؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
