*✍️ يوسف أبو سامر موسى*
في الحروب والصراعات الكبرى يعتقد كثيرون أن الخطر الأكبر يتمثل في الصواريخ والطائرات والدبابات والقنابل باعتبارها أدوات القتل والتدمير المباشر، ولا شك أن هذه الأدوات قادرة على إيقاع خسائر بشرية ومادية هائلة وقد تصل آثارها إلى حدود الإبادة والتدمير الشامل إلا أن التجارب التاريخية والمعاصرة أثبتت أن هناك حرباً أشد خطورة وأبعد أثراً من الحرب العسكرية التقليدية وهي ما يُعرف *بـحرب الوعي* أو الحرب النفسية والإعلامية التي تستهدف عقل الإنسان وإرادته وثقته بنفسه وقضيته.
إن أخطر ما يسعى إليه العدو ليس فقط احتلال الأرض أو تدمير البنية التحتية بل احتلال العقول وإخضاع الإرادات وتحويل الشعوب من حالة المقاومة والمواجهة إلى حالة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع فحين ينجح العدو في إقناع الضحية بأنها مهزومة وأن مقاومتها عبثية وأن مستقبلها مرهون بإرادته يكون قد حقق نصراً يفوق في أهميته أي تقدم عسكري على الأرض.
لقد أدركت القوى الاستعمارية منذ زمن طويل أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها بل من خلال التأثير في الوعي الجمعي للمجتمعات المستهدفة، ولذلك أصبحت الحروب الحديثة تعتمد بشكل متزايد على الإعلام والدعاية النفسية والتقنيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بهدف إعادة تشكيل الإدراك الشعبي وتوجيهه نحو النتائج التي تخدم أهداف العدو السياسية والعسكرية.
إن حرب الوعي تستهدف أولاً إضعاف إيمان الإنسان بعدالة قضيته فهي تسعى إلى زرع الشكوك في النفوس والتشكيك بجدوى النضال والمقاومة وإسقاط مفاهيم التضحية والصمود والثبات من وجدان الأجيال الجديدة واستبدالها بثقافة الفردية والانشغال بالملذات والمصالح الشخصية الضيقة فالعدو يدرك أن الشاب المؤمن بقضيته يشكل خطراً أكبر عليه من أي سلاح ولذلك يعمل على إبعاده عن هويته الوطنية والثقافية وتحويل اهتماماته بعيداً عن القضايا المصيرية لأمته وشعبه.
ومن أخطر أدوات هذه الحرب سعي العدو إلى تصوير نفسه على أنه يملك معرفة كاملة بكل شيء وأنه قادر على الوصول إلى أي شخص وفي أي مكان ومن هنا تأتي الرسائل المتكررة والتحذيرات الإعلامية والخرائط المنشورة والاتصالات الهاتفية ومحاولات اختراق شبكات الاتصال المحلية واجراء اتصالات بمجوعة افراد وتحذيرهم، بهدف خلق انطباع دائم لدى الجمهور بأن العدو يسيطر على كل التفاصيل ويمتلك قدرة مطلقة على المتابعة والرصد والتأثير.
وفي هذا السياق يصبح المواطن العادي أسيراً لحالة من القلق والخوف والترقب المستمر فيبدأ بمتابعة كل ما يصدر عن العدو أكثر من متابعته لمصادره الوطنية من خلال المقاومة، ويتحول تدريجياً إلى متلقٍ سلبي للرسائل النفسية التي يراد له أن يصدقها ويتفاعل معها. وهنا يكمن جوهر الخطر الحقيقي لأن العدو لا يريد فقط إيصال رسالة معينة بل يريد أن يصبح المرجعية الأساسية للمعلومات والتوقعات والمواقف داخل المجتمع المستهدف.
ومن الضروري التأكيد أن مواجهة هذه الاختراقات ليست مسؤولية الأفراد وحدهم بل هي مسؤولية الدولة ومؤسساتها الأمنية والتقنية والإعلامية التي يقع على عاتقها واجب حماية الأمن الوطني وسد الثغرات الأمنية وتعزيز قدرات الحماية السيبرانية ومنع الاختراقات التي تستهدف المجتمع وساحته الداخلية، فالأمن لم يعد مقتصراً على حماية الحدود الجغرافية بل أصبح يشمل أيضاً حماية الفضاء الإلكتروني والوعي الجمعي من محاولات التلاعب والتضليل.
إن حرب الوعي تتجلى أيضاً في دفع الشعوب إلى الانشغال الدائم بتفاصيل حركة العدو وتحركاته العسكرية حتى يصبح محور التفكير اليومي للمجتمع. فتكثر الأسئلة: أين وصلت قواته؟ ماذا سيفعل غداً؟ ما هي أهدافه المقبلة؟ وبدلاً من أن يكون المجتمع منشغلاً بعوامل قوته وقدرته على الصمود يصبح أسيراً لمتابعة خطوات العدو وتقديراته ورواياته للأحداث.
وتلعب البروباغندا الإعلامية دوراً محورياً في هذه الحرب من خلال توظيف الأخبار والصور والمقاطع المصورة والتحليلات الموجهة لخدمة أهداف محددة ويتم ذلك عبر أساليب نفسية مدروسة تقوم على التكرار المستمر للمعلومات وتحريف الوقائع وحذف أجزاء أساسية من الحقيقة والتركيز على مشاهد معينة دون غيرها وإثارة الخوف أو الإحباط أو اليأس بما يؤدي في النهاية إلى تشكيل رأي عام يتبنى الرواية التي يريدها العدو.
غير أن الحقيقة التي يحاول العدو إخفاءها هي أن الصورة التي يسوقها عن نفسه ليست دائماً مطابقة للواقع فالتاريخ الحديث مليء بمحطات الإخفاق والفشل التي تعرض لها رغم ما يمتلكه من إمكانات عسكرية وتكنولوجية هائلة. كما أن المجتمعات التي تواجهه وتمتلك إرادة الصمود أثبتت مراراً أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على كسر إرادة الشعوب أو فرض الاستسلام عليها.
إن المواجهة الحقيقية لحرب الوعي تبدأ من الإيمان العميق بعدالة القضية والتمسك بالحقوق والثوابت الوطنية والقومية، فالشعوب التي تؤمن بقضاياها لا يمكن إخضاعها بسهولة مهما بلغت التضحيات ومهما اشتدت الضغوط والصمود بحد ذاته رسالة سياسية ونفسية بالغة التأثير لأنه يؤكد أن إرادة أصحاب الأرض أقوى من محاولات الاقتلاع والتشريد والتخويف.
كما أن مسؤولية التصدي لهذه الحرب لا تقع على عاتق جهة واحدة بل هي مسؤولية جماعية تشمل المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والتربويين والنخب الفكرية وكل أبناء المجتمع فكل فرد قادر على المساهمة في نشر الوعي وكشف التضليل وتوضيح الحقائق وتعزيز الثقة بالنفس وترسيخ ثقافة الصمود والانتماء والتمسك بالحقوق.
ومن أهم وسائل مواجهة حرب الوعي تفنيد ادعاءات العدو وكشف ما يحاول إخفاءه عن جمهوره وعن الرأي العام العالمي فالحروب لا تُقاس فقط بما يعلنه المنتصرون عن أنفسهم بل أيضاً بما يتكبدونه من خسائر سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية وعندما يتم تسليط الضوء على الأزمات الداخلية والانقسامات السياسية والاجتماعية وحالات الإرباك والتخبط التي تعيشها المجتمعات المعتدية نتيجة استمرار الصراع تتراجع فعالية الدعاية التي تحاول تصوير العدو باعتباره قوة لا تُهزم، وهنا تظهر أهمية ما تبثه المقاومة من فيديوهات وبيانات توثق حجم الخوف والخسائر بالصوت والصورة على الداخل الصهيوني وتأثيره على المجتمع الصهيوني.
إن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض بل قد تكون أكثر حسماً على المدى البعيد، فالأرض يمكن أن تُستعاد والدمار يمكن أن يُعاد بناؤه، أما إذا انهزم الوعي واستسلمت الإرادة وفقدت الشعوب ثقتها بنفسها وبقضاياها فإن الخسارة تصبح أعمق وأخطر.
ولهذا فإن الواجب الوطني والقومي والأخلاقي يفرض علينا أن نحصّن مجتمعاتنا بالوعي والمعرفة والثقة وأن نواجه حملات *التضليل بالحقيقة والخوف بالأمل والإحباط بالإرادة وأن نبقى على يقين بأن أصحاب الحق الذين يتمسكون بأرضهم وقضيتهم وهويتهم قادرون على إفشال كل محاولات الهيمنة وكسر الإرادة لأن الانتصار الحقيقي يبدأ من العقل قبل الميدان ومن الوعي قبل السلاح.*
*✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث وكاتب سياسي/فلسطين.*
الثلاثاء 2 حزيران 2026
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
