يوسف أبو سامر موسى*
بعد الامعان في خفايا البيان الثلاثي وقراءة النص بشكل سياسي وبحثي، فإن الفقرة الأولى بعد المقدمة لا توحي بوجود اتفاق سلام نهائي أو تسوية شاملة قابلة للتنفيذ بشكل محسوم بل تشير إلى وجود إطار تفاوضي أو تفاهم أولي يجري العمل على ترجمته إلى ترتيبات أمنية وسياسية لاحقة.
لكن في الوقت نفسه فإن الصياغة تحمل دلالات سياسية عميقة وخطيرة تستحق التوقف عندها.
أولاً: ماذا تعني عبارة اتفقت إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف إطلاق النار؟
هذه العبارة تفترض وجود طرفين رسميين متساويين في التفاوض هما الدولة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي بينما يتم التعامل مع حزب الله كجهة منفصلة عن الدولة اللبنانية ومن الناحية السياسية فإن النص لا يتحدث عن انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة وتحرير النقاط المتنازع عليها ووقف الخروقات الجوية والبرية الإسرائيلية وضمانات دولية ملزمة للبنان.
بل يركز مباشرة على وقف إطلاق النار من قبل حزب الله وإبعاد عناصر الحزب جنوب الليطاني لتمكين الجيش اللبناني من السيطرة الحصرية على المنطقة وهنا تظهر أولوية النص الحقيقية.
ثانياً: يفهم من النص أن الاحتلال يمكن أن يبقى في بعض المناطق؟ نعم، يمكن أن يُفهم ذلك بصورة غير مباشرة، فالنص لا يربط تنفيذ الترتيبات الأمنية بانسحاب إسرائيلي مسبق أو متزامن من أي أراضٍ محتلة، بل يربطها “بمناطق تجريبية”، حيث يقضي الاتفاق استبعاد “الجهات المسلحة غير التابعة للدولة من المناطق التجريبية في لبنان”.. لذلك فالمطلوب من المقاومة لتراجع والانسحاب من المشهد العسكري قبل حسم ملف الاحتلال بشكل نهائي وهذا يثير إشكالية قانونية وسياسية مرتبطة بحق الدولة والشعوب في مقاومة الاحتلال وفق مبادئ القانون الدولي.
ثالثاً: ماذا تعني عبارة إجلاء جميع عناصر الحزب من قطاع الليطاني الجنوبي؟
هذه من أكثر العبارات حساسية في البيان فهي لا تتحدث عن منع النشاط العسكري فقط، أو سحب الأسلحة الثقيلة بل تتحدث عن إجلاء العناصر ولهذا قد تُفسَّر على أنها تتجاوز الجانب العسكري إلى الجانب البشري والتنظيمي.. ومن الطبيعي أن يطرح سؤال: كيف يمكن التمييز بين المقاتل السابق والمواطن العادي إذا كان أبناء المقاومة هم أصلاً من سكان القرى الجنوبية؟ ولهذا فإن الصياغة تبدو فضفاضة وقابلة لتفسيرات متعددة وقد تثير اعتراضات واسعة داخل البيئة الجنوبية إذا فُهمت حرفياً.
رابعاً: هل يمنع النص المقاومة من تحرير الأرض المحتلة، إذا أخذنا النص بحرفيته فهو يسعى إلى حصر أي عمل أمني أو عسكري بالدولة اللبنانية والجيش اللبناني، ويتأكد ذلك في عدة فقرات تتحدث عن:
منع الجهات غير الحكومية،
تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية، منع عودتها للظهور،
بسط سيطرة الجيش اللبناني الكاملة
وبالتالي فإن فلسفة البيان تقوم على أن أي معالجة لقضية الاحتلال أو الحدود أو الأمن يجب أن تتم عبر الدولة اللبنانية والتفاوض المباشر، وليس عبر العمل المقاوم المسلح، وهذه نقطة جوهرية في فهم الاتجاه السياسي للوثيقة.
خامساً: ما هي الرسالة السياسية الأساسية للبيان؟
عند قراءة النص كاملاً يتبين أن الأولوية ليست معالجة جذور الصراع اللبناني الإسرائيلي بل إعادة تشكيل الواقع الأمني في لبنان وفق رؤية أمريكية ـ إسرائيلية تقوم على حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء أي دور عسكري مستقل لحزب الله، باعتبار أن “أمن اسرائيل وصون “أراضيها” لا يتحققان الا بنزع سلاح حزب الله”.. وبالتالي، تحويل ملف الحدود والأراضي المحتلة إلى مسار تفاوضي مباشر وربط الاستقرار اللبناني بتفكيك البنية العسكرية للمقاومة واعتبار النفوذ الإيراني مصدر التهديد الأساسي للاستقرار..
لذلك يمكن القول إن البيان لا يبدو كاتفاق متوازن بين طرفين متنازعين بل أقرب إلى خريطة طريق أمنية وسياسية تركز بصورة أساسية على مستقبل سلاح حزب الله ودوره في لبنان أكثر مما تركز على معالجة أسباب الصراع مع إسرائيل أو إنهاء الاحتلال بشكل صريح وواضح… “فالإطار الأمني بين لبنان وإسرائيل يتضمن تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية ومنع عودتها”.. إذ “أن أمن إسرائيل وصون أراضيها لا يتحققان إلا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية”…
أما من الناحية البحثية، فإن غياب أي نص واضح حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الخروقات الإسرائيلية ومعالجة قضية الأراضي المحتلة أو الاعتراف بحق لبنان في الدفاع عن أرضه يجعل كثيراً من المراقبين يصفون هذا النوع من البيانات بأنه يفرض التزامات أمنية محددة على حساب لبنان ومحور المقاومة، مقابل وعود عامة تتعلق بالأمن والاستقرار والتفاوض المستقبلي، دون ضمانات واضحة بشأن القضايا السيادية العالقة.
ويبدو بشكل واضح أن أحد الأهداف المعلنة للبيان هو انتزاع الملف اللبناني من سياق المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية الجارية وتقديم أي تفاهم حول وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره نجاحاً منفصلاً عن التفاهمات الإقليمية الأشمل، حيث يشير الاتفاق الأمني، الى أن “أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يبرم مباشرة بين حكومتي لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية”… و”نعلن رفضنا التام لأي مسار منفصل أو مواز للمفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان”!..
غير أن هذا المسعى يصطدم بالموقف الإيراني القائم على مبدأ شمولية الحلول وعدم تجزئة ملفات المنطقة حيث تعتبر طهران أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر معالجة ساحة دون أخرى، وأن لبنان يشكل ركناً أساسياً في أي تفاهم إقليمي شامل وعليه فإن فرص نجاح أي ترتيبات طويلة الأمد تبقى مرتبطة بمدى التقدم في المسار التفاوضي الأوسع بين واشنطن وطهران وليس فقط بما ينتج عن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة.
*باحث وكاتب سياسي/فلسطين.
الخميس 4 حزيران 2026
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
