الرئيس يُقَسطِر تَعَهُّداتِ القَسَم

بقلم علي خيرالله شريف

ما أحببناها لك يا فخامة الرئيس أن يكون أقصى ما يُمكِنُكُ فِعلُه، التوَسُّط لدى قوات الطوارئ ولجنة الميكانيزم والصليب الأحمر اللبناني والدولي، كي يستأذنوا لكم من إسرا-ئيل لِتُصلِحوا قسطل مياه الشفه في مرجعيون والقليعة، وأنت المفترض أن تكون رئيس دولة ذات سيادة. خاصةً وأنك في خطاب القسم تعهدتَ بإثنين وعشرين تَعَهُّداً بحجم الجبال.
إذا كنتُم لم تستطيعوا إصلاحَ قسطل ماء، فكيف يمكنكم حماية شعب مُهَجَّر، وإعمار وطنٍ مُدَمَّر، وإقناع العدو بالانسحاب ووقف الاعتداء؟
يبدو يا فخامة الرئيس أنك صِرتَ من جماعة “عنزة ولو طارت”. فمن يسمع كلمتك الأخيرة من بكركي يظنُّ أنك كُنتَ واصِلاً للتوِّ من المريخ، ولم يُحِطكَ مستشاروك الألمَعيُّون بعدُ عِلماً بحقيقة الأمور. وكأنَّكَ لم تشهدنا ننتظرُ دبلوماسِيَّتَكَ ودبلوماسِيَّةَ وزير خارجيتِكَ الصنديد لمدة خمسة عشر شهراً لرفع القتل والتدمير عنا، فلم تستطيعوا مع حكومتكما، فعلَ شيءٍ. مع أنكم ورئيسُها النازل علينا بالباراشوت، كنتم وما زلتم مُنهَمِكين ومُنشغلين، بكُلِّ “بريستيجكُم” وحفاوتِكُم، باستقبال وتوديعِ المبعوثين، وهم لم يكونوا سوى داعمين للعدو ولاعبين عليكم.
لقد اقتصرَت دبلوماسِيَّتُهُ وزيرك الصنديد على مسألتين اثنتين لا ثالث لهما: الأولى تبرير كل عدوان وتحميل الحزب مسؤوليته، والثانية مراقبة الإيرانيين، سفيراً ومواطنين، لمهاجمتهم عند كل تصريح يصدر عنهم، بهدف تأزيم العلاقات مع بلدهم ثم قطعها. وظهر في ردك بالأمس على الصحافيين أن الوزير لم يكن وحده، بل كُنتَ تُنَسِّق معه في كيده. وهذا يُعتبرُ جحوداً منكما بحق الدولة التي كانت وما زالت الوحيدة التي تدعم بلدكما دون مقابل، مهما تنكَّرتُما لها في جدلِيَّتكما البيزنطية.
من خلال لغة الجسد والعيون وأنت تلقي كلمتك الارتجالية على باب بكركي يا فخامة الرئيس، رأيناك تنطِقُ بلغةِ المدمنين على كراهية الحزب، وعلى كيل المزيد من الاتهامات إليه. بأي لغة نستطيع إقناعك يا فخامة الرئيس، أن تكون رئيساً لكل اللبنانيين وليس لبعضهم. فأنت تُصَعِّدُ انتقاداتك للمقا_ومة في الوقت الذي تستجدي التفاوض مع العدو، الذي لا يكترث بدعوتك. فماذا ستأخذُ بالمفاوضات وأنت لم تستطع بها تصليح قسطل ماء؟
أما قولُك لمن أسميتَهُ “البعض” “شو جاييني من الحرب تبعك”. نتمنى أن تصحح جملتك. فالحرب ليست “تبع” هذا البعض، بل هي “تبع” العدو حتى لو أنكرتَ أنتَ ذلك. اسأل كسنجر الذي خطط لها منذ مئة عام، واسأل ترامب الذي قال إن إسرائيل صغيرة ويجب توسيعها، واسأل نتنياهو الذي أعلنها مراراً وتكراراً أنه بعد غزة سيُكمِل احتلال لبنان والدول العربية الأخرى لإنشاء إسرائيل الكبرى، فاحتل ٣٠ بالمية من سوريا وضم الجولان وجبل الشيخ والضفة الغربية كَتَحلية. واسأل أمراءك وأولياء عهدك في الخليج لماذا يريد منهم ترامب أن يُقبِّلوا مؤخرته. ألم تقتنع بعد أن لبنان هو التالي بعد غزة وأن مساندتَها هي دفاعٌ عن لبنان؟
بصراحة يا فخامة الرئيس، أنا كاتب هذه السطور المتواضعة، أقولها بصراحة وعلى رؤوس الأشهاد، ومثلي كثيرون جداً من اللبنانيين، من كل الطوائف، لم نؤمن يوماً بك ولا برئيس الحكومة أنكما ستخلصان لبنان من الاحتلال ولا من الديون ولا من الفقر ولا من الفساد، ولم نعتقد يوماً أنكما ستصلحان القضاء ولا الاقتصاد ولا التربية ولا حال الجيش الذي تحرمانه من التسلح وهو من أشجع الجيوش في الشرق الأوسط.
إننا يا فخامة الرئيس، لا نأمنكم على الوطن، بل لا نرى حمايةً له إلا بالمق_اومة والجيش كتوأمين لا ينفصلان. والعالم يرى كيف تسطر المقا-ومة اليوم ملاحم البطولة، وتُنزِلُ أقسى الهزائم اليومية بالعدو. تلك المقا-ومة التي تحسدنا عليها شعوب الدنيا، لأنها الأشرف والأقوى والأنقى أخلاقاً. في حين أنك ورئيس حكومتك وبعض الجهات في لبنان، تشكلون الأقلية التي تريد نزع سلاحها دون أن يكون للوطن بديلاً عنها سوى الاستسلام الكلي للعدو ليبتلعنا ويبتلعكم ويبتلع البلد.
يؤسفنا يا فخامة الرئيس أن نراك تُقَسطِر تعهداتك، مع فارق كبير، أن قسطرتك هذه لم تُحيِ قلبَ الوطن ولا خطاب القَسَم، بل هي فشلت حتى في جلب مياه الشرب إلى مرجعيون والقلَيعة.

مساء الثلاثاء 7 نيسان 2026

شاهد أيضاً

البيان الثلاثي الأمريكي ـ اللبناني ـ “الإسرائيلي”: نحو تسوية للصراع أم إعادة هندسة الواقع اللبناني على حساب معادلة المقاومة؟

يوسف أبو سامر موسى* بعد الامعان في خفايا البيان الثلاثي وقراءة النص بشكل سياسي وبحثي، …