هل تبقّى من إنسانيّة؟

بقلم : أمين السكافي

أيّها القلب، تمهّل قليلًا قبل أن تُكمل النبض… فثمّة ما يستحقّ أن يُبكيك حتى الانكسار.
وهل البكاء يكفي؟ وهل الدمع قادرٌ أن يدفئ طفلًا افترش الإسفلت والتحف السماء؟

هناك… عند أطراف المدن المنهكة، حيث يختلط صرير الريح بأنين البشر، ينام وطنٌ كامل على الرصيف. ليسوا غرباء، ليسوا عابرين، ليسوا ضيوفًا ثقلاء… بل هم أبناء هذه الأرض، من ترابها خُلقوا، وعلى أرصفتها الآن يُمتحنون.

تأمّل المشهد…
طفلٌ يضمّ ركبتيه إلى صدره، كأنّه يحاول أن يحتضن نفسه من قسوة العالم، عيناه لا تعرفان النوم، لأنّ البرد أقسى من أن يُغفى عليه.
وأمٌّ تُخفي ارتجافها، تُمسد شعر صغيرها، تكذب عليه بحنان: “سنعود قريبًا”… وهي تعلم أنّ “قريبًا” هذه أطول من وجع العمر كلّه.
وشيخٌ أنهكته السنون، يجلس بصمتٍ ثقيل، ينظر إلى الفراغ، كأنّه يبحث عن بيتٍ كان هنا… عن جدارٍ كان يسنده… عن حياةٍ كانت تُشبه الحياة.

أيّها العالم… كيف يُمكن للإنسان أن ينام وهو يرى إنسانًا آخر يذوب بردًا؟
كيف يُمكن للعين أن تُغمض، وهناك من لا يملك حتى جفنًا يحتمي به من المطر؟
أيّ قسوة هذه التي جعلت الأرصفة بيوتًا، والسيارات جدرانًا، والسماء بطانية مثقوبة بالمطر والريح؟

هم لا يسألون عن الرفاه، ولا عن الترف… يسألون فقط عن الحدّ الأدنى من إنسانيّتهم.
عن لقمةٍ تُسكت جوع أطفالهم، عن زاويةٍ جافةٍ تُخبّئ أجسادهم من البلل، عن دفءٍ بسيطٍ يُعيد الحياة إلى أطرافهم المتجمّدة.
يسألون: أين نغتسل؟ أين نجفّف ثيابنا؟ أين نقضي حاجاتنا دون أن تُسحق كرامتنا؟
أسئلة موجعة… لأنّها بديهيّات، ولأنّ الإجابة عنها يجب أن تكون تلقائية… لكنها غائبة، غائبة كأنّ الإنسانية نفسها قد نزحت معهم!

بئسنا… نعم بئسنا، إن مررنا قربهم ولم ينكسر فينا شيء.
بئسنا إن أقنعنا أنفسنا بأنّهم “ليسوا شأننا”، أو أنّهم “اختاروا مصيرهم”.
وهل يختار أحدٌ أن ينام تحت المطر؟ هل يختار أحدٌ أن يرى أطفاله يرتجفون جوعًا وخوفًا؟
أيّ منطقٍ هذا الذي يُبرّئ ضمائرنا ويتركهم فريسةً للبرد والقهر؟

أين الدولة التي وعدت أن تكون أمًّا لأبنائها؟
أين الأبواب التي يجب أن تُفتح قبل أن يُطرق عليها؟
لماذا تُغلق الفنادق، وتُطفأ الأنوار، وتبقى المساجد والكنائس صامتة، بينما أبناؤها في العراء؟
أليس في هذا الوطن مكانٌ يليق بكرامة إنسان؟

وأين نحن… نحن الذين ندّعي الرحمة، ونرفع شعارات الخير؟
أين قلوبنا حين تُختبر؟
أين إنسانيتنا حين تُنادى؟

يا سادة… المسألة لم تعد سياسة، ولا خلافًا، ولا جدلًا.
المسألة إنسان… إنسان فقط.
دمعة طفل، رجفة شيخ، تنهيدة أمّ… هذه هي القضية كلّها.

فلنضع كلّ شيء جانبًا… كلّ شيء.
ولنمدّ يدًا واحدة، قلبًا واحدًا، موقفًا واحدًا… لعلّنا نُنقذ ما تبقّى منّا قبل أن نُنقذهم.
لعلّنا نُثبت لأنفسنا، قبل العالم، أنّ فينا بقية روح… بقية رحمة… بقية إنسان.

فإن لم نبكِ اليوم من أجلهم…
فمن أجل من سنبكي؟
وإن لم تتحرّك فينا الإنسانية الآن…
فهل تبقّى منها شيء أصلًا؟

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …