كتب د. السيد محمد الحسيني
.
شهدت الساعات الثماني والأربعون الماضية تحولاً دراماتيكياً في المواجهات البرية على الحدود اللبنانية الجنوبية، حيث أعلنت مصادر ميدانية عن تدمير ما يزيد عن خمسين دبابة ميركافا وآلية مدرعة إسرائيلية في كمائن وصفت بالأعنف منذ بدء التصعيد. هذا الرقم المرتفع من الخسائر في فترة زمنية وجيزة يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة القدرات الدفاعية للمقاومة والأسباب التي تحول دون قدرة جيش الاحتلال على تحقيق اختراق ميداني ملموس.
أولاً: التكتيكات الدفاعية وسلاح “صيد الدبابات”
تعتمد المقاومة في الجنوب اللبناني على استراتيجية “الدفاع النشط” التي تحول الجغرافيا الوعرة إلى مصيدة للمدرعات. وتبرز عدة نقاط قوة في هذا السياق:
– منظومات الصواريخ الموجهة (ATGM): أثبتت صواريخ “كورنيت” بنسخها المتطورة، بالإضافة إلى منظومات “ألماس” التي تعتمد تقنية “اضرب وانسَ” وتصوير الهدف، قدرة فائقة على تحييد نظام “تروفي” الدفاعي الإسرائيلي. يتم إطلاق هذه الصواريخ من زوايا ميتة ومن مسافات تمنح الرامي أفضلية التخفي.
– الكمائن المركبة: لم تعد المواجهة تقتصر على إطلاق صاروخ واحد، بل تعتمد المقاومة “الكمائن المركبة” التي تبدأ بتفجير عبوات ناسفة لتعطيل الحركة، يتبعها استهداف مباشر بالصواريخ الموجهة، ثم الإجهاز على القوة المتبقية بأسلحة القنص والأسلحة الرشاشة من “المسافة صفر”.
– استخدام المسيرات الانقضاضية: دخلت المسيرات كعنصر حاسم في استهداف فتحات المحركات وأبراج الدبابات، مما يسبب أضراراً جسيمة لا تستطيع الدروع الجانبية صدها.
ثانياً: الجغرافيا والتحصينات التحت أرضية
تعتبر الطبيعة الجبلية للجنوب اللبناني، المتميزة بالتلال الحاكمة والأودية الضيقة، بيئة مثالية لحرب العصابات ضد الجيوش النظامية.
– “إن المقاتل في الجنوب لا يدافع عن أرض غريبة، بل يتحرك في بيئة يعرف تضاريسها شبراً بشبر، مستفيداً من شبكة أنفاق معقدة تتيح له الاختفاء والظهور خلف خطوط العدو.”
– العامل الجغرافي
التأثير على الجيش الإسرائيلي
التأثير على المقاومة
التضاريس الجبلية
تقيد حركة المدرعات وتجعلها أهدافاً سهلة
توفر غطاءً طبيعياً ونقاط رصد حاكمة
– الأنفاق والتحصينات
تجعل القصف الجوي غير فعال في حسم المعركة
تضمن استمرارية القيادة والسيطرة والإمداد
– الغطاء النباتي
يعيق الرؤية الحرارية والبصرية
يسهل عمليات التسلل والكمائن
ثالثاً: أسباب تعثر التقدم الإسرائيلي
رغم التفوق الجوي المطلق واستخدام سياسة “الأرض المحروقة”، فشل الجيش الإسرائيلي في تثبيت نقاط ارتكاز دائمة داخل القرى الحدودية لأسباب عدة:
– فشل الاستخبارات الميدانية: تبين أن المقاومة نجحت في الحفاظ على سرية مخازنها ومنصات إطلاقها رغم الغارات المكثفة، مما فاجأ القوات المتقدمة بوجود قوة نارية لم يتم تحييدها.
– تكتيك “الالتفاف والاحتواء”: بدلاً من المواجهة الجبهية التي تتيح لإسرائيل استخدام قوتها التدميرية، تعمد المقاومة إلى السماح للقوات بالدخول إلى “جيوب نارية” ثم إغلاق المنافذ عليها، مما يحول عملية التقدم إلى عبء لوجستي وبشري هائل.
– العنصر البشري: أظهرت المواجهات في محاور مثل “الطيبة” و”القنطرة” تفوقاً في القتال القريب، حيث يمتلك مقاتلو المقاومة دافعية قتالية عالية وخبرة تراكمية في حرب المدن والقرى، مقابل جيش يعتمد بشكل مفرط على التكنولوجيا التي تتعطل فاعليتها في الالتحام المباشر.
خاتمة
إن تدمير هذا العدد الكبير من الدبابات في يومين ليس مجرد إنجاز تكتيكي، بل هو مؤشر على فشل العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على “الحسم السريع” عبر المدرعات. إن صمود المقاومة في الجنوب اللبناني يستند إلى مزيج فريد من التكنولوجيا الصاروخية الحديثة، والخبرة الجغرافية العميقة، والإرادة القتالية، مما يجعل من أي تقدم بري إسرائيلي مغامرة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج.

مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net