بقلم: أمين السكافي
في زمن التباس المعايير وتبدّل البوصلة، يسطع أحيانًا موقف واحد كفيل بأن يعيد ترتيب المشهد كله. من قلب العاصمة الأميركية، وفي مواجهة مباشرة مع سيناتور جمهوري حاول جرّ المؤسسة العسكرية اللبنانية إلى قاموس التصنيفات الأميركية، خرج قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بموقف وطني مدوٍّ، رافضًا توصيف المقاومة ضد الاحتلال بالإرهاب، ومؤكدًا أن الجيش اللبناني ينطلق في تقييمه من المصلحة الوطنية اللبنانية لا من الإملاءات الخارجية. كان ردّه أشبه بزلزال سياسي وإعلامي، أعاد الاعتبار لمفهوم السيادة، ووضع حدًا لمحاولات استتباع القرار اللبناني.
لم يكن موقف هيكل انفعاليًا أو ارتجاليًا. جاء محسوبًا بدقة، موزونًا بميزان الذهب، ومشحونًا بوعي عميق لطبيعة المرحلة وخطورتها. فالرجل يدرك أن الكلمة، حين تصدر من قائد مؤسسة عسكرية وطنية، تتحول إلى موقف دولة، وإلى عنوان مرحلة. لذلك اختار أن يقول ما يجب أن يُقال، لا ما يُطلب منه قوله. ومن هنا، استحق هذا الرد أن يُسجّل في سجل المواقف الكبرى التي تحفظ كرامة لبنان وتحصّن وحدته الداخلية.
ولد رودولف هيكل في بيئة لبنانية مشبعة بالقيم الوطنية والانضباط، ونشأ على حب المؤسسة العسكرية والإيمان بدورها كضامن للاستقرار وحارس للحدود والسلم الأهلي. منذ شبابه المبكر، التحق بالكلية الحربية، حيث أظهر تفوقًا لافتًا على المستويين الأكاديمي والعملي، ما أهّله للتدرج السريع في الرتب والمسؤوليات. لم يكن مساره مجرد تسلّق إداري، بل مسيرة ميدانية حقيقية، تنقل خلالها بين وحدات قتالية وإدارية، واكتسب خبرة واسعة في إدارة الأزمات، ومكافحة الإرهاب، وحفظ الأمن في أكثر المراحل حساسية من تاريخ لبنان الحديث.
تدرّج هيكل في المناصب حتى وصل إلى قيادة الجيش، محاطًا بإجماع واسع داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، باعتباره رجل توازن، وحكمة، وحزم في آن. تميّزت قيادته بالتركيز على تعزيز الجهوزية القتالية، وتطوير الأداء الاحترافي، والحفاظ على حياد الجيش عن التجاذبات السياسية، من دون التفريط بالثوابت الوطنية. وفي كل محطة مفصلية، كان حاضرًا بقرارات مدروسة، تضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار.
ومن أبرز المواقف التي رسّخت صورته كقائد مستقل، رفضه الضمني لشروط سياسية حاولت الولايات المتحدة فرضها مقابل استقباله رسميًا قبل فترة من الزمن. يومها، فضّل كرامة المؤسسة العسكرية على بروتوكولات الزيارات والعلاقات العامة، مؤكدًا أن الجيش اللبناني ليس أداة في يد أحد، بل مؤسسة سيادية تعمل وفق الدستور والمصلحة الوطنية العليا.
في رده الأخير على السيناتور الأميركي، أعاد هيكل التذكير بحقيقة يغفلها كثيرون: أن المقاومة ضد الاحتلال ليست إرهابًا، بل حق مشروع تكفله الشرائع السماوية والقوانين الدولية. بهذا الموقف، لم يدافع فقط عن خيار وطني، بل عن منطق الدولة نفسها، التي لا يمكن أن تبنى على إنكار تاريخها أو تشويه نضالات شعبها.
هكذا، يكتب رودولف هيكل اسمه في سجل القادة الذين يزنون كلماتهم بميزان الذهب، ويعرفون متى يصمتون ومتى يتكلمون، ومتى يتحول الكلام إلى واجب وطني. وفي زمن الحاجة إلى الرجال الكبار، يثبت أن القيادة ليست منصبًا، بل موقف
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
