بقلم علي خيرالله شريف
مرة جديدة تَغَربَلَ سامي الجميل على منبر مجلس النواب، ونَصَّبَ نفسه واعظاً ومُرشِداً، وكأنه يتوجَّهُ إلى حفنةٍ من الطائشين الضالِّين. صَوَّرَهُم مُتَخَلِّفين، وحَمَّلَهُم وِزرَ كُلِّ المصائب التي حلَّت على لبنان(والتي تُعتبر عائلتُهُ من أهم أسبابها). هو لم يأتِ لمناقشة الموازنة، بل أتى لتحميل مسؤولية ضعفها لهؤلاء الشباب، ولمهاجمتهم والنيل منهم. ولكن هذه المرة بطريقة المسامير الناعمة الـمُدَجَّجة بالعواطف الموبوءة. فأوقع نفسَهُ في مغالطات كثيرة.
بدأ الجمَيِّل كلامَهُ بالقول إنَّه لن يناقش الموازنة، ثم قدَّم سرديةً سطحية لشرح معناها، فعَرَّفَها على أنها عبارة عن إيرادات ونفقات، مع الكثير من الإطناب في التكرار والتراقص والتمايُل على المنبر. ذكَّرني باستراتيجيتِهِ الدفاعية التي تَضمَّنت مِنظاراً وجهاز لاسلكي وبضعَ مئاتٍ من الجنود. وحظي يومها بتصفيق نفس الأشخاص الذين صفقوا له اليوم.
بعد ذلك اتهم الجميِّل نصف سكان لبنان بالامتناع عن دفع الضرائب، غامزاً من قناة طوائف أخرى غير طائفته. وهذا تجَنٍّ لا ينِمُّ عن ذكاءٍ ولا عن معرفة، لأن الممتنعين عن الدفع هم مزيج من كل الطوائف ومن كل المناطق، وتفاوتت نسب الامتناع بحسب نسبة تواجد الدولة واهتمامها بالمناطق. وليسوا من طائفةٍ دون أخرى كما لـمَّحَ سامي، لِيَحُطَّ من شأنِهم وينتقِصَ من التزامِهم بواجباتِهم. برأيه المواطنون الحقيقيون هم بنو قومه وطائفته، أم الآخرون فليسوا سوى طُفَيلِيِّين يعيشون على حسابِه وحساب عائلته وطائفته. وتجدُرُ الإشارة هنا إلى أن أباه الرئيس الأسبق للجمهورية يُكَبِّدُ الخزينة شهرياً مبالغ طائلة بتخصيص عشرات رجال الأمن والخدم والحشم لحمايته وتأمين رفاهيته من جيوب المواطنين. والجباية التي يمتنع البعض عن تسديدها هي في التهرب الضريبي والجمركي(الذي يتحمل مسؤوليته أحباب سامي الجميل) وفي الكهرباء دائمة الانقطاع. وهذا يمثل جزءاً من الضرائب والرسوم الواردة إلى الموازنة. أما أكثرية الجبايات فتأتي من الآليات والعقارات والأوراق الثبوتية والشهادات والمعاملات وضرائب الاستيراد والتصدير والقيمة المضافة وغيرها من المصالح والاستثمارات والمتاجرات. إذن، كلُّ الناس تدفع الضرائب، وليس فقط النصف الذي يدَّعيه سامي الجميل من ذويه وطائفته والمحسوبين عليه وعلى أمثاله. مع العلم أنه وأمثالُهُ أرباب السمسرات والصفقات على حساب الدولة.
لم يكن عيب النائب الكسول في التفكير سامي الجميِّل عدم تقديم نقد موضوعي دقيق للموازنة فحسب، بل العيب الآخر هو في أنَّهُ يُنَظِّر دون معرفة، ويَدَّعي دون بَيِّنة، ويناقش في جلسة الموازنة كل شيءٍ إلا الموازنة. وعيب النواب الذين صفقوا له في الجلسة، أنهم صَفَّقوا كيداً وحقداً وليس معرفةً ولا حِسّاً وطنياً، ولا فهماً للمواطنة.
وما لم يعرف سامي الجميِّل أن يتطرق إليه، هو تمويل الموازنة من جيوب المواطنين ومن القروض والتسوُّل، وتقديمها دون قطع حساب. وهو النهج الذي أنتج دوراناً في حلقة مفرغة خطيرة: اقتراضٌ فضرائب فعجز، ثم اقتراضٌ ثم ازديادٌ في العجز، ثم ضرائب جديدة فعجزٌ جديد. وموازنة حكومة نواف سلام زادت الضرائب بما يزيد الانحدار نحو الهاوية. يتم ذلك بغياب أية خطط اقتصادية استراتيجية، وبغياب أي اقتصاد مُنتج، وبالتطنيش عن الأملاك البحرية والأملاك العامة وعن الهبات التي تشكل موازنات رديفة للوزارات ويتم ابتلاعها من بعض الوزراء والمحسوبين والسارقين. وهنا بيت القصيد في دولتنا الميمونة عبر حكوماتها المتعاقبة، التي تضع موازنات الدكنجي، وتتخلى عن الثروات النفطية التي تغني عن الضرائب وعن التسوُّل، كما تتخلى عن آلاف الكيلومترات المربعة من المياه الإقليمية والأراضي البرية والقرى الحدودية، برعاية رئيسي الحكومة والجمهورية.
مساء السبت 31 كانون الثاني 2026
(المقال القادم: دموع سامي الجميِّل التمساحية)
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
