بقلمك: أمين السكافي
ليس النور الإلهي فكرةً مجرّدة تُتلى في الكتب أو تُعلّق على جدران المعابد، بل هو فعلٌ حين يختار الله أرضًا مُنهَكة، وشعبًا مُثخنًا بالجراح، ليجعل منهما آيةً تمشي على قدمين. في هذه البقعة الصغيرة من الشرق، حيث يلتقي البحر بالجبل، وحيث تختلط رائحة البارود بنداء الأذان وترانيم الكنائس، وُلد ما يمكن تسميته: آخر ما بقي من النور الإلهي على الأرض.
منذ عام 1948، بدا الكيان الغاصب في الوعي العربي كقدرٍ لا يُردّ، كجيشٍ صُنع على صورة الأساطير، لا يُهزم ولا يُكسر. انهزمت جيوش، وسقطت عواصم معنويًا قبل أن تسقط ميدانيًا، وتكرّست في النفوس فكرة “الكيان الذي لا يُقهر”. حتى جاءت سنة 1982، لا بوصفها تاريخًا عسكريًا فحسب، بل بوصفها لحظة فاصلة في مسار الوعي، حين دخل الاحتلال إلى بيروت، وظنّ أن التاريخ قد ختم صفحته الأخيرة لصالحه.
لكن الله، حين يُمهل، لا يُهمل. ومن رحم الهزيمة الظاهرة، وُلدت المعجزة. لم تولد المقاومة الإسلامية في لبنان من فائض قوة، بل من فائض إيمان. لم تكن مشروع دولة ولا مغامرة سلاح، بل استجابة وجدانية عميقة لنداءٍ قديم: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين”. هناك، في الأزقة، في القرى الجنوبية، في البيوت المتواضعة، تشكّل وعي جديد يرى في المقاومة عبادة، وفي الصبر سلاحًا، وفي الشهادة حياة.
مسيرة المقاومة لم تكن خطًا مستقيمًا، بل دربًا وعرًا محفوفًا بالدم والدمع. اغتيالات، اجتياحات، حصارات، مجازر… وكل مرة كان العدو يظن أن النار قد انطفأت، كانت تخرج من الرماد أكثر نقاءً وصلابة. حتى جاء عام 2000، فكان التحرير، لا بوصفه انتصارًا عسكريًا فقط، بل زلزالًا عقائديًا في المنطقة. لأول مرة، ينسحب الاحتلال بلا قيد ولا شرط، لا باتفاق ولا بتوقيع، بل تحت وطأة مقاومة آمنت أن الوعد الإلهي حق.
ثم جاءت حرب تموز 2006، لتكمل الصورة. حرب أرادها العدو كسرًا نهائيًا، فكانت كشفًا نهائيًا. سقط وهم “الجيش الذي لا يُقهر” سقوطًا مدويًا، وتبيّن أن القوة بلا عدالة خواء، وأن التكنولوجيا بلا روح هزيمة مؤجلة. هناك، في بنت جبيل، وفي مارون الراس، وفي الضاحية الجنوبية، تجلّى النور الإلهي كمعنى حيّ: قلةٌ مؤمنة، تقف في وجه طغيانٍ مدجّج، فتنتصر لأنها تعرف لماذا تقاتل، ولأجل من تموت.
هذا النور لم يكن حكرًا على الجغرافيا اللبنانية، بل امتدّ إشعاعه إلى كل المستضعفين. صار نموذجًا، وصار أملًا، وصار سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا في وجه عالمٍ يُشرعن الظلم ويُدين المقاومة. لقد أثبتت المقاومة الإسلامية أن الإيمان حين يتحول إلى فعل، يصنع التاريخ، وأن الدم حين يُسكب بوعي، يصبح حبرًا يكتب به المستقبل.
اليوم، وفي زمن التزييف والانهيارات الكبرى، تبدو المقاومة الإسلامية في لبنان كآخر شعلة في ليلٍ طويل. ليست معصومة، وليست فوق النقد، لكنها تحمل جوهرًا نادرًا: أن تكون السياسة امتدادًا للأخلاق، وأن يكون السلاح في خدمة الإنسان لا العكس. إنها تذكير دائم بأن الله لا يزال حاضرًا في معادلات الأرض، وأن النور، مهما حورب، لا ينطفئ.
ذلك هو آخر ما بقي من النور الإلهي على الأرض… نورٌ وُلد من الدم، وتغذّى من الصبر، واستمر بطاعة الله، وسيبقى ما بقي للظلم صوت، وللمقاومة قلب ينبض
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
