الصمت… مقامٌ لا يبلغه الضجيج

بقلم: فاطمة يوسف بصل
حين تتعب الكلمات من حمل المعنى، وتعود الأصوات خاويةً إلا من صداها، يُفتح باب الصمت… لا كغياب، بل كحضورٍ مكتمل، كمقامٍ لا يُدخله إلا من خفّ حمله من الأنا.
في دروب السالكين، لا يُقاس الوعي بما يُقال، بل بما يُمسك عنه القلب. فالصمت ليس انقطاعًا عن العالم، بل اتصالٌ أعمق بالالحقيقة. الصمت ذكرٌ خفيّ، وسجودٌ بلا حركة، حين تدور حولك الكلمات كريحٍ فقدت بوصلتها، وتختار أن تثبت، لأن ما في داخلك أوسع من أن يُستفزّ.
حين تُساء النيّات، وتُحاك الظنون كما تُحاك الظلال، يجيء الصمت كسترةٍ من نور، لا تدافع عنك، بل ترفعك فوق الحاجة إلى الدفاع. فالعارفون لا يشرحون الطريق، هم يمشونه… ومن شاء تبع الأثر.
كم مرّة دعوك إلى ساحة الردّ؟ إلى جدلٍ يستهلك الروح ولا يقرّبها من الله خطوة. وأنت تعلم أن السلام لا يُنال برفع الصوت، بل بخفض القلب عمّا سوى الحق.
تخيّل معلّمة جعلت من الصبر محرابًا، ومن العطاء صلاةً ممتدّة. وحين أُسيء فهمها، آثرت الصمت، لأنها تعلم أن العمل الصادق دعاءٌ لا يردّ، وأن الله يتكفّل بالشرح حين يصمت العبد.
الصمت تزكية. هو أن تُنقّي قلبك من رغبة الانتصار للنفس، وأن تترك الأمور تعود إلى ميزانها الأول. فالماء إذا سكن، صفا، وإذا صفا، انعكس فيه النور.
الصمت فناءٌ عن الضجيج، وبقاءٌ في المعنى. هو أن تكون حاضرًا بالله، غائبًا عمّا لا يزيدك قربًا. أن تمشي بين الناس وقلبك في حضرة أخرى.
فاختر صمتك كما تختار وردك، بخشوع، وبصيرة، وتسليم.
“وَمَنْ سَكَتَ سَلِمَ”

شاهد أيضاً

الولاية منهج قبل أن تكون شعاراً

دينا الرميمة مخطئٌ من يظنّ أن الولاية مجرد شعار نرفعه في المناسبات، أو كلمات نرددها …