عبد الناصر في اختبار الزمن !

عبد الله السناوي

 

🔴 * في اختبار الزمن ، نصف قرن بالكامل ، تأكدت قوة حضور « جمال عبدالناصر » ، كأنه لم يغب أبداً ، ولا خفتت الحملات عليه يوماً واحداً .

في استهدافه حياً وميتاً شهادة على قوة مشروعه وحجم تأثيره .

كانت جنازته بحجمها الاستثنائي تأكيداً لا يخطئ على عمق تجربته وإلهام مشروعه .

في ذلك اليوم البعيد بكت مصر ، كما لم يحدث من قبل ولا من بعد .

فاضت المشاعر الحزينة على ضفاف النيل ، ومن بين الجموع الحزينة المتدافعة علا نشيد الوداع ، لا ألّفه شاعر ولا لحّنه موسيقار ، وترددت نبوءة على لسانها :

« يا جمال يا عود الفل … من بعدك هنشوف الذل »…

وقد كان .

عند كل انعطافة تستدعى صوره إلى الميادين ، كما حدث في انتفاضة الخبز ( 1977 ) وثورتي « يناير » و« يونيو » وفي كل الاحتجاجات التضامنية مع القضايا العربية التي عمت البلد .

في سنوات يوليو أطلق أوسع عملية حراك اجتماعي نقلت أغلبية المصريين من هامش الحياة إلى متنها ، كما تصدر مشهد حركات التحرير الوطني في العالم العربي وإفريقيا ملهماً العالم الثالث كله .

قيمة « عبد الناصر » الحقيقية أنه كان يصدق نفسه ويصدقه الناس ونزاهته الشخصية كرّست صورته في التاريخ .

لماذا خرجت الملايين تطالب ببقاء القائد المهزوم ؟

إذا قيل بالادعاء أن الأمر كان مصطنعاً ، فماذا يمكن أن يقال عن خروج العاصمة السودانية الخرطوم بكامل سكانها لاستقباله بحفاوة لا نظير لها إثر الهزيمة .

في اللحظة التي أمم فيها « الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية » ،

لامس عمق الوطنية المصرية وكبرياءها الجريح .

وفي اللحظة التي أعلن فيها من الجامع الأزهر الشريف نداء المقاومة « سنقاتل » ،

دخل التاريخ من أوسع أبوابه ، وألهم حركات التحرير في العالم الثالث .

عندما ولدت زعامته في أتون حرب السويس مضى قدماً في بلورة مشروعه ، وأية ثورة بلا مشروع لا تقدر على أية مواجهة ولا تصنع أي إلهام .

حاكم نظامه بأقسى ما يمكن تصوره من عبارات ، لم يكن مستعداً أن يسامح نفسه على أنه لم يحسم الأوضاع المختلة في القوات المسلحة قبل أن تقع الواقعة ، أو أن يتسامح مع أسباب الهزيمة .

في مساجلات « يوليو » والدفاع عنها لم يتخلف كاتب واحد له قيمة وتأثير في إبداء موقفه ، ك « أحمد بهاء الدين » صاحب مقولة « موتوا بغيظكم » و« كامل زهيري » بعبارته الشهيرة :

« عبدالناصر أقوى من الهزيمة والسادات أضعف من النصر » …
ودخل « محمد حسنين هيكل » إلى قلب المعركة بكتابه « لمصر لا لعبد الناصر » حتى لا يُقال « إن كل رجاله خانوه ».

بتوصيف الدكتور « يونان لبيب رزق » للمساجلات المحتدمة :
« لأن ما تم في عهد عبدالناصر كان كبيراً ، فقد كان من الطبيعي أن يجيء رد الفعل بحجم الفعل ، وأن تُشارك جبهات عديدة في ضرب الحقبة الناصرية ».

« لن يتركوني أبداً ».

بدت الكلمات ثقيلة على الابن الصبي ، وهو يستمع إليها ذات مساء من شهر ديسمبر (١٩٦٩) عند ذروة حرب الاستنزاف كما روى لي نجله الأكبر « خالد عبد الناصر ».

الشروق .

شاهد أيضاً

مَن لا يمثل مَن؟يا جوزيف عون

بقلم الكاتب نضال عيسى خرج رئيس الجمهورية جوزيف عون ليقولها بلا حياء، (نعيم قاسم لا …