محمد علي اللوزي
تُجمع المؤشرات على أنّ المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تحوّلات عميقة ونوعية على المستويين العسكري والسياسي، إذ تتجه الساحة الإقليمية إلى إعادة رسم موازين القوة، فيما تستعد صنعاء – التي أثبتت خلال سنوات العدوان والحصار صلابة استثنائية وقدرة لافتة على الصمود والمناورة – لافتتاح عهد جديد من الردع الاستراتيجي وترسيخ السيادة الوطنية.
هذا العهد لن يقوم فقط على القوة العسكرية المتطورة التي راكمتها، بل أيضاً على حضور سياسي وازن يتنامى مع كل خطوة تُثبت فيها صنعاء أنها الرقم الأصعب في المعادلة اليمنية والإقليمية.
ومن يبتغي السلام الحقيقي عليه أن يدرك أن الطريق إليه يمر عبر صنعاء وحدها، لا عبر أي بوابات جانبية ولا حسابات إقليمية متشعبة. فالكبرياء السياسية، ومكابرة الأطراف التي ترفض الاعتراف بميزان القوة الجديد، لن تغيّر من حقيقة أن مفتاح الحل موجود في العاصمة اليمنية حصراً.
لا طهران ولا أي عاصمة أخرى تملك ورقة القرار اليمني، لأن إرادة السلام – كما الحرب – أصبحت في يد صنعاء التي أثبتت أنّها صاحبة القرار والسيادة، وأنّ من يريد إنهاء الأزمة فعليه أن يأتي إليها بصفته شريكاً في السلام لا متعالياً بثوب الغرور أو مضلَّلاً بأوهام النفوذ.
وعلى الرياض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تستوعب مقتضيات السلام واستحقاقاته الحقيقية، بما في ذلك الالتزام الصريح بما تم التفاهم عليه في جولات الحوار السابقة. فمسار التنصل من الاتفاقات أو المناورة لكسب الوقت لم يعد مجدياً، بل بات يشكّل وصفة مؤكدة لإضاعة فرص جديدة ولإنتاج أزمات إضافية كان بالإمكان تجاوزها لو اختارت الرياض طريق الحكمة والواقعية السياسية.
إنّ البحث عن مخارج جانبية أو محاولة ترحيل الملفات العالقة إلى مراحل لاحقة لن يفضي إلا إلى تعقيد المشهد وخلق مزيد من التوترات، في حين تتطلب اللحظة الراهنة إظهار قدر كافٍ من الشجاعة السياسية والإرادة الجادة لدفع عملية السلام إلى الأمام. فالسلام العادل والشامل – غير المنتقص ولا المشروط بسقوف لا يقبلها الواقع – يحتاج إلى قرار واضح، وإلى طرف يقدّر قيمة الفرصة التاريخية قبل أن تفلت من بين يديه.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أنّ الرياض وحدها – بحكم موقعها ودورها ومسؤولياتها – من يستطيع أن يثمّن اللحظة الحرجة ويُحسن تحويلها إلى فرصة لبناء سلام مستدام. أما الإصرار على البقاء “على الشجرة”، بعيداً عن طاولة المفاوضات، فلن يؤدي إلا إلى استمرار الاستنزاف، في حين أن النزول إلى الطاولة بروح صادقة ورغبة حقيقية في الحل سيُعيد صياغة العلاقة مع اليمن على أسس جديدة تضمن الأمن والمصالح للجميع.
إنّ القرار اليوم قرار شجاعة: إمّا سلامٌ يفتح صفحة جديدة، أو تعنتٌ يعيد إنتاج الفشل. والخيارات باتت واضحة، والزمن لا ينتظر المترددين.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
