زينب شمص… الضوء الذي يسرق السرّ من اللغة

حوار الشاعرة دلال موسى 

ثمّة أرواحٌ تُشبه المرايا القديمة، كلّما اقتربت منها رأيت وجهك الأعمق لا ملامحك العابرة. وأحيانًا تمرّ فيك كاتبةٌ لا تحمل قلمًا، بل نبوءة صغيرة عن المعنى. لا تأتي لتتكلّم، بل لتُحدث في اللغة اهتزازًا يجعل الحرف يراجع مصيره. في حضورها تشعر أنّ الكلمات لم تُخلق لتُقال، بل لتُطهّر شيئًا فينا من صدأ العادة.

في العيون التي تفكّر أكثر مما تنظر، وفي الصوت الذي يتهجّى الصمت كما لو كان لغةً موازية، تسكن زينب شمص. أنثى تعرف أنّ الشعر ليس ما نكتبه على الورق، بل ما يبقى فينا بعد أن ننتهي من الكتابة. تسير بين المفردات كمن يختبر الوجود بأصابعه، تُعيد ترتيب الفوضى داخلها لتخلق منها نظامًا من المعنى.

منها تبدأ الأسئلة التي لا تنتهي، عنها تُولد الدهشة من جديد. ومن هذا الضوء الذي يشبهها، سنقترب من عالمٍ لا يُرى بالعين، بل يُحسّ بالقلب :

” قصائدُ زينب


✓ إذا كانت القصيدة مرآة، فهل تخافين من لحظة تراها فيها صورتكِ الحقيقية؟

أشعر أن الخوف من هكذا لحظة مرتبط الى حد كبير بنظرة الكاتب لنفسه بالأساس، لأن الكتابة بشكل عام غالبا ما تكون عصارة أفكار الكاتب وأحاسيسه وتجاربه، فكل نصٍّ نقرؤه انما يكون يحمل بصمة كاتبه الخاصة به وروحه مما يجعله يشبهه الى حد بعيد. فعندما أكون متصالحة مع نفسي بكل جوانبها، بتألقها وعثراتها، بمبادئها وقدراتها فبالطبع سأحب كل انعكاساتها.

✓ ما الذي يفعله بكِ بيتٌ كتبتهِ ذات يوم ولم تفهميه حتى الآن؟

لا أستطيع ان أقول اني لم أفهمه ولكن يحدث أحيانا أن أشكِّل بيتا ما بقالبِ فكرةٍ معيَّنة او شعور ما، ولكن عندما أعود واقرؤه بعد مدة، فإني أجد له معانٍ ودلالاتٍ أخرى. او حتى ممكن ان اكتب شيئا ما وفي بالي فكرة معينة، ولكن القارئ يفسرها بطريقة أخرى، وهذا ما أسميه معجزة الشعر.

✓ حين تسكت القصيدة داخلكِ، هل تسمعين صوت الله أم صوت الوحدة؟

عندما يجفّ الشغف في عروق المخيِّلة، غالبا ما يكون العقل متواريًا خلف ضباب التيه والتوتر والانشغال عن النفس، ولكنِّي أؤمن أنَّ صوتَ الله يتخذ أشكالا لينتشلنا مما نحن فيه، فيمكن أن يلبس شكل الفرح والحب والحماس، ويمكن أن يكون على هيئة بلاء كالحزن والوحدة والغضب… والشاعر المتمكن والمبدع هو الذي يستطيع أن يسمع هذا الصوت ويستجيب له.

هل تظنين أن الشعر يمكن أن يكون نوعًا من الكارما — كل بيتٍ تكتبينه يعود إليكِ بطريقةٍ ما؟

ممكن، إلى حدٍّ بعيد.
فطالما أنَّ الشِّعر ينبثق من أعماق ووجدان الشاعر، متلوِّنًا بتجاربه وأفكاره وإحساسه، فمن الممكن ان تفتح قصيدة ما جراح شاعرها ومشاعره التي حاول جاهدًا أن يخفيها،
فتضعه حينها في مواجهة مع نفسه وتُعرِّيه من دثر الإنكار والإغضاء. كما وأحيانا يحمل الشعر بين طيات حروفه ما يتمناه الشاعر لنفسه.

✓ حين تكتبين، هل تُحرّرين اللغة أم تستعبدينها لتقول وجعك؟

من جمال اللغة عندنا مرونتها.وانا اعتقد أن العلاقة هنا بين الشاعر واللغة هي علاقة تبادلية، فللشاعر دورُه السحري في إبراز جمال هذه اللغة وتليين قيودها وقواعدها ليشكِّل منها أروع المعاني. واللغة بدورها تشكل الوعاء الذي يسكب فيه الشاعر أفكارَه وإحساسه وتجاربه ليُنضِجَها على نارِ الإبداع.

✓ هل تعتبرين نفسكِ مثقفةً لأنكِ قرأتِ كثيرًا، أم لأنكِ عرفتِ كيف تُخفي جهلَكِ جيدًا؟

لا شك أن القراءة المتنوعة والوافرة تساعد على اكتساب المعرفة الواسعة، ولكن الثقافة بمعناها الحقيقي تحتاج تطبيقًا عمليًّا لهذه المعرفة. لذا فالمعيار عندي هنا هو مدى قدرتي على التعامل مع المواقف الحياتية والمشاكل اليومية مع ما استفدت به من القراءة، وكيف استخدم هذه المعرفة في تحسين وتطوير نفسي. فالثقافة هي القدرة على رؤية الأمور بعدسة التحليل والتقييم والفهم العميق لا السطحية. والمثقف حقا هو الذي لا يخشي ان يعترف بجهله في طريقه لتوسيع معرفته.

هل تملكين الجرأة أن تعترفي بأن بعض قصائدك وُلدت من كذبةٍ شعرتِ أنكِ بحاجة لتصديقها كي تبقي على قيد الشعر؟

لا يخفى أنه في بعض الأحيان، لا يكون الشعور أو الواقع مطابق تماما لما نبوح به في قصائدنا لعدة اعتبارات. فمثلًا عندنا كتبتُ قصيدةً تحاكي حال أمّ الشهيد، فأنا شخصيا لم أعش هذه التجربة من قبل ولكن حاولت قدر الامكان أن اتخيل نفسي في هكذا موقف لكي استطيع أن أصوغ نصي بأقرب ما يكون لإحساسها.فليس بالضرورة ان يكون الشعر نتاج تجربتنا الشخصية، فالمستمع أيضاً بحاجة لمن يعكس تجربته هو. وقيمة الشعر تُكتَسب من قدرته على مس وتحريك وتجسيد شعور المتلقي. لذا لا بد أحيانا ان نسترق تجارب او مشاعر ليست لنا بالضرورة لنبقى على قيد الشعر.

هل يمكن أن يكون الشعر خيانة عاطفية؟ وهل تؤمنين أن الشاعر لا يستطيع أن يحبّ إلا من يؤذيه؟

على حسب استخدام الشعر، تكون الخيانة أو لا تكون. فعندما يُستخدم كوسيلة للتصنع الفكري والعاطفي؛ كالبوح بعكس ما يضمره الشاعر، كالتملق والمدح الكاذب، او كالتهرب من المشاعر الحقيقية… فهُنا تكمن الخيانة، سواء كانت بين الشاعر والمتلقي او حتى بين الشاعر ونفسه.
أما بالنسبة الى الشق الثاني من السؤال، فمما لا شك فيه ان الحزن والألم يشكلان مصدرين أساسيين للابداع الشعري، فالشاعر يتعامل مع حزنه بطريقة مختلفة، فهو يغذيه بفائض الإحساس ويعيشه بكل وجدانه، كي يقطف منه أصدق التعابير والكلمات. أما عن كون الشاعر لا يحب الا من يؤذيه، فهذا برأيي غير مرتبط بكون الشخص شاعرا بقدر ما هو يتعلق بمدى نضجه عاطفيا ونفسيا وهي سلسلة مؤثرات تبدأ منذ الطفولة وتتخذ أشكال مختلفة حسب التجارب التي يمر بها في حياته.

 

كنتم مع مديرة الصفحة الثقافية في مجلة كواليس
دلال موسى
مع كل الحب لقلوبكم والى اللقاء في حلقة قادمة من برنامج ” سيرة شاعر “ .

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …