إلهام نجم الدرواني
هناك تُطبخ الشائعات، وتُصنع الأراجيف، وتُقلب الحقائق، ويصبح الشيطان ملاكًا، والضحية جلادًا، هناك تُصنع ألف حكاية ورواية، ويُنتج ألف فلم سينمائي، بأبطال وهميين، ليسوا مقنعين، ولا يحلقون في السماء عاليًا لنجدة المستضعفين، إنما يتغنون ويتلحنون بصوت الفتنة البراقة، والنفاق المخادع، والدجل الزائف.
لا يكتفي أشباح هذا العالم عن التجميل صبحًا ومساء، ليظهروا بشكل مقنع وجميل، لإغراء العامة من الناس، وإلهائهم عن قضاياهم واهتماماتهم، فنراهم كل يوم ينفخون ببوقٍ جديد، ويعزفون على وتر الزيف، ويتراقصون على لحن الكذب، ليبقى المتابع البسيط في حيرةً من أمره قائلًا: [هل هذه هي الحقيقة..!؟]
يكبر الضجيج في ذلك العالم، وكأنك في ميدان معركة، تُسل الكلمات، وتتفجر العبارات، وتتزاحم الأطروحات، ويكثر المعلقون والمغردون وحتى المبقبقون، ويقل الواعون والمستبصرون، ونرى الجميع يعيش في خضم تلك المعركة، التي في الغالب تصل إلى أرض الواقع.
إنه العالم الافتراضي، وما أدراك ما العالم الافتراضي، مصائد العقول الجاهلة، والأفكار المتحجرة، والأدمغة المقفلة، إنه مستنقع من الشائعات التي يسقط فيها السطحيون وقليلو الوعي والبصيرة.
أشباح ذلك العالم ليس شبحًا أو اثنين أو ثلاثة، بل إنهم بالآلاف إن لم يكونوا أكثر من ذلك، لا يتحركون في الظلام، بل يتحركون ليلًا ونهارًا، وبكل جهدهم خدمة للشيطان الأكبر، والغدة السرطانية.
ينصبون مصائدهم في كل مكان، ليوقعوا بهذا أو ذاك، حتى يضمنوا تدجين أكثر عدد من العامة لخدمتهم، فبهم سيتفنن المنافق في نفاقه، والكاذب بكذبه، والدجال بدجله، حينها سيبرز للزائفات قناع جميل، يقال له إنه الحقيقة يا هذا فاقتنع بها..!!
ليس مبالغة، ولا هرج ولا مرج، وليس تضخيمًا أو تهويلًا، إنها الحقيقة التي لابد أن نعيها، فنحن نسمع ونرى ما بين الحين والآخر كم تشن حملات تشويهية ومسيئة، تهدف لإثارة الفتن والبلبلة، وشق الصف الداخلي، وإثارة الصراعات الداخلية التي لا جدوى منها، ويبقى الوحش الأكبر “أمريكا وإسرائيل” مستمتعين بالتفرج والمشاهدة عن كثب، فبينما الجميع يتصارع، يبقى هو ينهش الأمة من الداخل وينهب ثرواتها ويستحكم القبضة على مقدساتها، ولهذا العالم في واد، وأمريكا وإسرائيل في وادٍ لوحدهم، يقال له وادي الهيمنة على العالم.
فبعد الفشل السعودي والأمارتي طيلت عشر سنوات من العدوان على اليمن، وعجزهم عن إخضاع هذا البلد تحت الهيمنة الخارجية، ومن ثم هزيمة أمريكا في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، وفشل إسرائيل في قهر هذا الشعب عن موقفه مع القضية الفلسطينية، عمدوا على افتعال حرب إعلامية لم يسبق لها مثيل، بضجيج أكبر، ونباح أكثر، ونهيق منكر، لعلها تكون الفرصة الأخيرة في هذا البلد، فهم في أرض الواقع كالجردان، وفي مواقع التواصل ثعالبٌ ماكرة، وأفاعي لادغة، فقط عملها الوحيد شقلبة الأمور وخلطها مع بعضها، وتصوير الزيف على أنه حقيقة، والحقيقة على أنها خداع.
إنه عالم مليء بالأفكار المسمومة التي لا ترياق لها غير البصيرة والوعي، المستوحاة من أعظم مصدر للبصيرة، ألا وهو القرآن الكريم الذي قال الله فيه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ صدق الله العظيم.
إذًا هذا العالم ليس فقط للتلقي والتأثر، والتفاعل مع كل ما نراهُ أو نقرأهُ أو نسمعه، بل إنه ميدان معركة، وساحة حربٍ فكرية، فمن لم يتحصن بالوعي يصبح سجين الظلال وأسير ذلك الخداع، حينها يصبح من الصعب أن يدرك الحقيقة.
كما أن للباطل جنوده، فإن للحق جنوده، يبرزون في كل ميدان وجبهة، نعم… إن جنود الجبهة الإعلامية أو بالأحرى فرسان الإعلام جنودًا على درجة عالية من الوعي والبصيرة، لم يشربوا أو يطعموا من نهر الظلال، فهم يظنون أنهم ملقوا الله، ولسان حالهم يقول: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فتُسل هناك سيوف الفكر، وتتبارز الأطروحات والحقائق، وتلتحم معركة الوعي، ليقطع سيف الوعي كل حبال الجهل والجهالة، ويحطم كل أصنام الفتن والظلالة، ويحرق ألف عجل قد أخرجهُ سامري هذا الزمان لإضلال هذه الأمة.
إن جنود وفرسان الإعلام لا يقلون شأنًا عن جنود الجبهة العسكرية، فهم من تحزموا بالبصيرة الثاقبة، وتسلحوا بالوعي والإيمان، واقتحموا خنادق الظلال، ومتارس النفاق، ونكلوا بهم أشد تنكيل، وكشف الزيف والتدجيل، وأزاحوا الستار عن الحقيقة المخفية، فكانوا بحق رواد هذا الميدان وأبطاله، فلهم صولاتٌ وجولات لا يعرف شدة وطئها وتنكيلها إلا المنافقون، فهم من قد تجرعوا من كأسها، وذاقوا طعم الهزيمة فيها.
إن على جنود الجبهة الإعلامية اليوم أن يدركوا حجم المرحلة التي نحن مقبلون عليها وخطورة مكر الأعداء، فبقدر الإدراك تبنى الهمم وتزداد اليقظة، ويتحرك الجميع بشكل فعال ومؤثر غير متأثر، فلابد من مضاعفة الهمم، وبذل كل الجهود في هذا الميدان، والتحرك ببصيرة لا بعشوائية، وبيقظة لا بغفلة، لتصدي ومواجهة كل الأراجيف والزيف، بل لتقديم الحقيقة الناصعة التي تزيح حالكات الظلام المخيم على عوام الناس، فمتى ما قدم الحق والحقيقة بقوة لا شك أنه كفيل بأن يضيء الواقع ليختفي ذلك الظلام الدامس.
#اتحاد_كاتبات_اليمن
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
