تحدث في تكريم المرحوم المربي علي حسين: “آمن بالإسلام العقلاني المنفتح الّذي يدعو إلى مدّ جسور والتّواصل مع الآخرين”

 

فضل الله:”لبنان لا يُبنى على الإقصاء والتهميش لأيّ من مكوّناته، بل على التفاهم والتضامن والتكاتف”

رعى العلامة السيد علي فضل الله الحفل التكريمي الذي أقامته جمعية المبرات الخبرية للمربي المرحوم على حسين وذلك في قاعة الزهراء(ع) في حارة حريك بحضور فاعليات نيابية ودينية وثقافية واجتماعية وتربوية وعسكرية وحشد من المحبين.


بداية الافتتاح الحفل بآيات من الذكر الحيكم، ثم كلمة ترحيبية القاها عباس ترحيني ،ثم القى السيد فضل الله كلمة اكد فيها: “يعزّ عليّ أن أقف اليوم بينكم لأؤبّن من عاش السّيّد المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (رض) في عقله وقلبه ومشاعره وأحاسيسه، وتمثّله في سلوكه وأخلاقه وفي انفتاحه وحواريّته وفي محبّته للنّاس، كلّ النّاس وفي مشاركته في كلّ آفاقه وتطلّعاته في هذه الحياة.”

وأضاف فضل الله : “لقد كان المرجع الديني الراحل السّيّد محمد حسين فضل الله بالنّسبة له أخًا وأبًا ومرجعًا ومرشدًا، واكبه منذ أن جاء إلى لبنان واستوطن في النّبعة الّتي كانت منطلق العمل الرّسالي منه ولم يفارقه فكرًا وجسدًا وبقي معه حتّى الرّمق الأخير من حياته”

وتابع فضل الله : “بعد وفاته كان وفيًّا له في استمراره بالعمل لخدمة النّاس وللمشروع الرّسالي وفي خدمة النّاس الّذي عمل له وأفنى حياته لأجله، وكان يرى أنّ الحياة فرصة منحها الله له ليؤدّي فيها دوره في هذا المشروع الإلهي، وأنّ قيمتها بمقدار ما يزرع فيها من جهده وعمله لخدمته ليكون له زادًا يوم يقف بين يديّ ربّه.
لقد آمن الحاج أبو رضوان إيمانًا عميقًا وواعيًا بالإسلام الّذي تربّى عليه ورأى خياره في المنهج الّذي رسمه السّيّد المرجع الديني الراحل محمد حسين فضل الله (رض) ، الإسلام الّذي يستمدّ جذوره وعمقه ومفاهيمه من كتاب الله وسنّة رسوله (ص) وسيرة أئمّة أهل البيت (ع)، الإسلام العقلاني المنفتح على الحياة الّذي يدعو إلى مدّ جسور التّواصل مع الآخرين لا القطيعة مع من يختلف معهم، والّذي يرى الحوار طريقًا لمن يؤمن بلغة الحوار.”

وتابع فضل الله:”ان زَرْع الحاج أبو رضوان في الحياة وفيرًا من خلال ما قدّم وأعطى في هذا الاتجاه ،وهو عبّر عنها من خلال الكلمة الّتي كان يتقن رصفها والتّعبير عنها، وهو من عرفته المنابر وشهدت له بأنّه صاحب الكلمة الصّادقة والواعية الّتي توقظ الحياة في القلوب والعقول والنّفوس وتدفع إلى حبّ الخير والعمل به وتعزيز من أدخل إلى النّفوس أواصر المحبّة والعزّة والكرامة.وكانت كلمته تعبيرًا عن إيمانه بقضايا أمّته، فكانت في مواجهة كلّ ما يتهدّدها على الصّعيد الخلقيّ والإيمانيّ ومن يريدون السّيطرة على مقدّرات الشّعوب وثرواتها والنّيل منها وفي الوقوف مع الحقّ والعدل والحريّة للنّاس جميعًا بعيدًا عن طوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم السّياسيّة”.

ولفت فضل الله:” لم يجامل في ذلك أحدًا وبقي على هذا الموقف إلى آخر حياته لا يخاف في الله لومة لائم ولقد تركت كلماته هذه صدى في كلّ محفل كان فيه، وهنا وبالمناسبة ندعو أن تبقى وتدوّن لتكون نبراسًا للأجيال من بعده. وعلى صعيد العمل حرص أن يختار التّعليم عملًا له ومهنة لإيمانه لدور التّعليم وأثره لكونه أشرف الأعمال وقد استطاع ويشهد له بذلك كلّ من تخرّج من تحت منبر علمه أن يزرع في تلامذته حبّ العلم الممزوج بالمحبّة والسّماحة وبالمسؤوليّة والمبادرة، والمتطلّع إلى العدل وعمل الخير والالتزام بمكارم الأخلاق ما ترك في نفوسهم الأثر الكبير في بناء شخصيّاتهم إيمانيًا وأخلاقيًا وعلميًا.”

واردف فضل الله:” لقد أضاف إلى سجلّه الحافل أن يشارك في مؤسّسات الخير الّتي أسّسها السّيّد المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (رض) فقد كان راعيًا لشؤون الأيتام مهتمًّا بشؤونهم وتأمين احتياجاتهم فكانوا يجدون عنده الأبوة الّتي افتقدوها وحنان الأم تشهد على ذلك إدارته لمدرسة ومبرّة الامام علي (ع) الّتي كان له دور في جعلها من المدارس المتميّزة على صعيد المنطقةر وفي إطار جمعيّة المبرّات الخيريّة”.

واضاف فضل الله:”كان يعي أهميّة هذا الدّور وما أثمره من بركات على صعيد مجتمعنا والّذي نشهده اليوم في كلّ الأيتام الّذين تخرّجوا والّذين أصبحوا فاعلين في مجتمعهم بعدما كان يمكن أن يكونوا مشكلة للمجتمع لو لم تتوفّر لهم الرّعاية.ولم يقف دوره عند حدود كلّ ما قام به، كلّ ذلك كان إخلاصه لأهالي بلدته صلحا الّتي اضطر أن يغادرها بعدما احتلّها العدوّ الصّهيونيّ فكان سندًا وعضدًا عاملًا وفاعلًا في الجمعيّة الّتي كان لها دور في إنشائها لتؤدّي دورها، وفي وقوفه مع فلسطين والمقاومة ومع الّذين أرادوا أن يكون هذا الوطن قويًا في مؤسّساته وفي مواجهة العدو وكلّ من يريد أن يفقده عزّته وحريّته وكرامته.”

وتابع فضل الله :”لم ينس الحاج وسط كلّ ذلك أسرته الّتي رباها على الإيمان والتّقوى والجهاد والتّضحية وبالغالي والنّفيس من أجل الوطن وإنسانه ليكون كما أراده عزيزًا حرًّا كريمًا قويًّا يقف مع كلّ قضيّة حقّ وعدل، ونحن على ثقة بأنّ من عاش بعده سيمثّلونه خير تمثيل في أخلاقه وعلمه وعطائه وجهاده، وأنّهم سوف يتابعون مسيرته في كلّ المواقع الّتي كان فيها ولن يوفّروا جهدًا في هذا الطّريق”.

وختم فضل الله : “لقد ترك الحاج علي حسين فراغًا كبيرًا في كلّ المواقع الّتي شغلها حيث تفتقده اليوم ساحات العلم والمعرفة في المؤسّسات التّربويّة وساحات العطاء والعمل في السّاحات الاجتماعيّة، ومنابر التّربية والثّقافة في بيروت والجنوب والبقاع، يفتقده الأيتام وكلّ السّاعين لخدمتهم، ونفتقده ركنًا من أركان جمعيّة أسرة التّآخي وجمعيّة المبرّات الخيريّة الّتي كان عضوًا فاعلًا رائدًا في عمله وفي جمعيّة صلحا وكلّ المواقع الّتي تصدّر بها.”

ثم كانت كلمة لأسرة الراحل القاها نجله أسامة حسين استعرض فيها محطات م مسيرة عطاء والده التي امتدت لعقود في خدمة الإسلام والأيتام من خلال جمعية المبرات الخيرية

أما كلمة الإدارات في المؤسسات التعليمية والرعائية في المبرات ألقاها مدير ثانوية الإمام جعفر الصادق(ع) محمد نصر الله واصفا الفقيد بأنه بحر من العطاء، يتسع قلبه بمحبة الناس، ويرى في العمل عبادة.

وفي الختام قدم السيد فضل الله درعًا تكريميًا لأسرة الراحل.

اللقاء الحواري

من جهة اخرى ،عقد السيّد فضل الله لقاءً حواريًا في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك تحت عنوان “حُسن الخلق في المجتمع”، وأجاب خلاله على عدد من الأسئلة والاستفسارات حول آخر المستجدّات في لبنان والمنطقة.

وقال فضل الله في مداخلة له :”أنّ حُسن الخلق هو جوهر الدين وعلامة الإيمان، وأنّ الإسلام مشروع أخلاقي شامل يهدف إلى إكمال مكارم الأخلاق في علاقة الإنسان بربّه، وبنفسه، ومع الآخرين لافتا إلى أنّ النبي محمّدًا (ص) جاء ليتمّم مكارم الأخلاق، وأنّ الأخلاق لم تكن على هامش رسالته كما يظن البعض، بل أراد الله لها أن تحكم حياة الإنسان سلوكًا وممارسة، على المستوى الفردي والاجتماعي، في بيته، ومع جيرانه، وفي تعامله مع الكون والحياة من حوله”.

وأضاف فضل الله : “الإنسانية لا تكتمل إلا بالأخلاق، وبها فقط يصبح الإنسان إنسانًا وأنّ واقع الأمة اليوم يحتاج إلى ثورة أخلاقية تشمل الفقه والسياسة والاقتصاد والتربية والإعلام والثقافة، وكل مجالات العمل والإنتاج. ثورة تجعل الأخلاق حاضرة في سلوكياتنا ومواقفنا، فنرتقي بها ونُصلح عيوبنا”.

وتابع فضل الله : “بحسن الخلق يتحقّق النجاح على المستوى الفردي والمجتمعي، لما يوفّره من استقرار نفسي وانسجام أسري واجتماعي،وأنّنا نمتلك رصيدًا غنيًا من القيم والأخلاق، ولسنا بحاجة إلى استعارته من غيرنا، إنما ينقصنا أن نجسّد هذه القيم في سلوكنا العملي وأن نتواصى بها، فتميّزنا يكمن في أنّ أخلاقنا تنبع من إيماننا، من حبّنا لله ورسوله وأهل بيته (ع)، لا من مجرّد قوة القانون أو فرضه”.

واضاف فضل الله:”أنّ الاختلاف في تاريخ ولادة الرسول (ص) يعود إلى اختلاف الروايات بين من يحدده في الثاني عشر من ربيع الأول، ومن يراه في السابع عشر منه، وهذا التباين لا ينبغي أن يُدرج في خانة الخلاف المذهبي، وندعو إلى إحياء هذه الولادة المباركة باعتبارها محطةً لخروج البشرية من ظلمات الجهل والتمزّق والتناحر إلى رحاب الإسلام، حيث النور والعلم والوحدة والتقدّم”.


وأكد فضل الله:”أنّ الإخلاص للرسول (ص) يعني الإخلاص للقيم التي جسّدها، بالاقتداء بأخلاقه والتمثل بسيرته في صدقه وأمانته وحلمه وعفوه ولين كلامه وصفاء قلبه وحسن تعامله مع الناس. وإلى ضرورة أن تتحوّل هذه المناسبة إلى فرصة لتعزيز الوحدة بين مكوّنات الأمة، بالتركيز على المشتركات وعناصر الالتقاء بدلًا من استحضار الخلافات، محذرًا من الساعين إلى تمزيق صفوف الأمة عبر إثارة الفتن والعصبيات بما يخدم مصالح الأعداء ويسهّل سيطرتهم على مقدّراتها”.

وختم فضل الله:”هذا الوطن لبنان لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والتهميش لأيّ من مكوّناته، بل على التفاهم والتضامن والتكاتف، وندعو إلى الحفاظ على الصيغة التوافقية التي تصون مصلحة لبنان وتحميه من الفوضى والحروب الأهلية، وإلى بناء دولة قوية وعادلة تحفظ أمنه واستقراره وسيادته وتُحصّن مواقع قوّته.”

شاهد أيضاً

B ” العهد “

  بقلم: أمين السكافي ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ليست الكلمات مجرد حروف …