بقلم علي خيرالله شريف
إن المق-او-مة تتمتع بالحكمة منذ ولادتها لغاية اليوم. وهي تتعاطى مع شعبها وبيئتها ومع كل الفرقاء اللبنانيين، ومع المؤسسات الرسمية والخاصة، بكل صبرٍ ومناقبية ومسؤولية واحترام. فكما أنها لم تحمل السلاح إلا مُضطَّرَّةً، منذ البداية، هي لم تستعمله إلا بوجه الاحتلال والعدوان من أي مكانٍ أتى. دعونا من البروباغندا التي يقودها الكذابون الذين يبذلون أقصى جهودهم لتزوير الحقيقة وشيطنة أشرف بني البشر، وإنها ربما المرة الأولى في تاريخ الثورات والمقاومات، التي لم يُشاهَدْ فيها مُقاوِمٌ واحِدٌ يحمل مسدساً ويتباهى به في الداخل اللبناني، لا في الحي ولا في القرية ولا في المدينة. نعم، لم يحمل سلاحاً ولم يستعرض عضلات ولم يتبجح بانتماء، وهذا دليل أنه ليس ميليشيا. ومن يتكلم عن 7 أيار 2008 يعرف لماذا خرج رجال المقا-ومة يومها، وكيف كانوا يتصرفون بكل رحمة ومسؤولية مع الـمُغَرَّر بهم الذين أتى بهم فؤاد السنيورة يومها، وكانوا يسلمونهم للجيش اللبناني دون المساس بهم. إنها من أخلاقِهم العليا التي يتمتعون بها منذ انضوائهم في صفوفها، والتي يشهد بها القاصي والداني. والأسباب عديدة أوَّلهُا أن تعليمات الحزب الرئيسي المق-اوِم صارمة وحازِمة، وثانيها أن الأخلاق التي أنشأهم عليها جعلتهم في مستوى عالٍ جداً من الأخلاق الرفيعة ومن التواضع والحرص على كل المواطنين من أي مذهبٍ كانوا. فصحيحٌ أنه حزبٌ بأكثريته من طائفة واحدة، ولكنه ليس حزباً طائفياً، وتاريخُهُ وحاضرُه يشهدان بذلك.
واليوم، من نتائج الحكمة والصبر الاستراتيجي اللذان تتحلَّى بهما المقا-ومة منذ اتفاق وقف النار مع العدو في 27 تشرين الثاني 2024 لغاية اليوم أنها أثبتت للجميع:
1. أن الوساطة الأميركية كاذبة، ولا مصداقية لها، فأميركا هي نسخة طبق الأصل عن الكيان، لا ضمانة لها ولا أمان ولا التزام بأي عهد، وينبغي على بعض اللبنانيين أن لا يتلطُّوا خلف أصابعِهم ويُنكِروا تاريخها الحافل بالغدر.
2. أن صبر الم_قا_ومة بكل فصائلها وأطيافها وطوائفها، يدُلُّ على أنها ما زالت قَوِيَّة وصلبة وممسِكَة بخيوط اللعبة، بعكس ما يَظُنُّ الحاقدون عليها، المندفعون لاستغلال ضربات العدو لها، من أجل ذبحها.
3. أن المقا-ومة تعاطت بصبرٍ ومسؤولية مع قرارات الحكومة في جلسة خمسة آب 2025 ومع خطة الجيش اللبناني التي قدمها للحكومة في جلسة 5 أيلول 2025، وفي الاتصالات التي جرت قبل الجلستين. وكانت تُشيرُ دائماً وبكل موضوعية إلى المخاطر التي تُحدِّقُ بلبنان من وراء هكذا قرارات.
4. أن حكمة قائد الجيش العماد رودولف هيكل ووفاءَهُ للتاريخ الـمُشَرِّف من التعاون بين الجيش والمقاومة في الكثير من الملمات والمواجهات في الداخل والخارج، حتى اختلطت دماؤهما، جعلتهُ يُهدِّئ من جموح المتطرفين في الحكومة، لأن الجيش والمقا-ومة صارا صِنوان لا ينفصلان، وأن وجودهما جنباً إلى جنب هو الضمانة الوحيدة لبقاء لبنان.
5. أن حكمة الرئيس نبيه بري ومهاراته العالية في إدارة الأزمة (أحببتَه أم لم تُحبَّهُ)، جعلته صَمَّام أمان السلم الأهلي وخبير نزع فتائل الانفجار في كل مرةٍ تشتدُّ فيها الأعاصير على البلد.
6. إن تَرَوِّي رئيس الجمهورية وصبره على الضغوط (وهو ابن الجيش)، مَيَّزَت موقفَه عن موقف رئيس الحكومة المندفع إلى حَدِّ التَهَوُّر لتنفيذ ورقة الإملاءات الأميركية الخليجية، ظَنَّاً منه أنه سيتحوَّل إلى بطل قومي لو فعلها.
كل ذلك أعطى للبنان بعض الاستراحة من الاحتقان الذي يُفرضُ عليه. ولكن ما زالت الأمور مفتوحة على المخاطر، وما زالت الجهات الضاغطة المتغطرسة، ترسل مبعوثيها وتطلق تهديداتها للبنان إن لم يُنفِّذ إملاءاتِها. وهذا يجعلُنا نتَيَقَّن أن السبيل الوحيد لتجنيب لبنان ما يُحاكُ له هو في تمتين العلاقة بين الجيش والمقا-ومة عبر وضع استراتيجية دفاعية(وليس استراتيجية أمنية كما يُشاعُ)، بشكلٍ يُكَرِّس مقولة ثلاثية الجيش والشعب والمقا-ومة، على أن ينضوي تحت لوائها كل من يرغب من اللبنانيين بكل طوائفهم واتجاهاتهم السياسية، وأن يتم قوننتها وتشريعها.
أما تمويل الاستراتيجية الدفاعية والإعمار والإنماء وسداد الديون ورفع المستوى المعيشي للمواطنين، فلن يكون في الاقتراض ولا في التسوُّل والتمَلُّق والاستجداء، بل في استخراج الغاز والثروات الهائلة من تحت البحر واليابسة في لبنان.
مساء الأحد 7 أيلول 2025
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
