الرحيل و بقاء الأثر العظيم

بشرى المؤيد

هذا اليوم هو تشييع “حكومة الشرف و الإباء” الذين قدموا أنفسهم و أرواحههم في طريق القدس الشريف لم يستجيبوا لأي ضغوطات خارجيةأو إغراءات مالية مقدمة من الخارج في سبيل التنازل عن أخلاقهم و مبادئهم القرآنية التي لو عرض عليهم “كنوز الدنيا ” بما فيها في سبيل التخلي عن مبدأ من هذه المبادئ لفضلوا الموت على أن يخسرون أنفسهم في الدنيا والآخرة. فالسعادة كل السعادة أن يرضى الله و رسوله الكريم عنهم ولا أن يتركوا قرآنهم وما فيه من تعاليم إلاهية سماوية فيها الخير والنور والطريق الذي يوصل الإنسان إلى كل ما يريد من دون أن يتخلى عن دينه وعن أي بند من مبادئهم وأخلاقهم القرآنية.

كان بإستطاعة هذه الحكومة الشريفة أن تكون كبعض سائر الحكومات العربية و الإسلامية خاضعة رأسها ،منحنية ظهرها، راكعة على قدميها لمن يأمرها بما يريد فتجعل شعبها مثلها لا يستطيع عمل شيئ مسلوب القرار و الإرادة الحرة و الإستقلالية التي تجعله سيد نفسه .
كان بإمكان هذه الحكومة أن تستجيب لكل مطالب الأعداء لكنها تعلم إن إستجابت خسرت أعظم ما يملكه الإنسان و هو الحرية التي أعطاها الله لعباده و جعلها كي يكونوا أسياد أنفسهم لا يخضعون ولا ينذلون إلا إليه سبحانه وما أعظمها من عبادة أن تكون ذليل،منكسر،خاضع لله سبحانه وتكون قوي مهاب أمام الخلق وهكذا كانت حكومتنا لا تريد إلا إرضاء الله سبحانه لأن برضاه تكون ملكت الدنيا بما فيها.
قال علي كرم الله وجهه”إنّ الناس ولدوا أحراراً، وأن الحرية الحقيقية تكون في ظل الله تعالى، وأن الحرية تقيدها حدود الدين والأخلاق والعرف، وأن من يتبع هواه ويطمع بمال الآخرين يتحول إلى عبد، بينما يظل العبد حرًا بالقناعة، ويؤكد على أن الحرية لا تعني العصيان بل تكون في إطار الطاعة لله ولمنح الحقوق.
وقال عمر بن الخطاب “متى أستغبدتم وقد ولدتكم أمهاتكم أحرارا” فالحرية و الكرامة تاجان ذهبيان على رأس الإنسان لا تستطيع أموال الدنيا كلها شرائها.

هذه الدنيا مرحلة مؤقتة يعيشها الإنسان بكل تفاصيلها ليؤدي مهمته الإختبارية من الله سبحانه فالبعض يجتازها و يبقى أثر أعماله تدوي من جيل إلى جيل لأنه كرس حياته في الأعمال الصالحة التي تفيده وتفيد الناس عملها بصدق و إخلاص وأمانة وكان في كل عمل يراعي الله بأنه مطلع على كل الأمور و البعض إنجر و إنجرت نفسه إلى هوى الدنيا فتزينت له وجرته معها ونسي أمانته و ما كان واجب عليه ان ينفذه حتى ينجى من عذاب الله في الآخره فاستحوذت عليه و أحكمت سيطرتها فلم يستطع الفكاك منها و مازال منغمس في هواها فأعمته عن طريق الحق وطريق النجاة الذي يوصله إلى بر الأمان، والبعض كما قال السيد عبدالملك سلام الله عليه فيما معناه”فالخ رجليه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ،لا في الجنة ولا في النار” و هؤلاء كما وصفهم القرآن الكريم المنافقين الذين يريدون أن يروا إلى أين تذهب الأمور فإن فاز فريق إنظموا إليه فهم يحابون الجهتين يذهبون إلى الجهة الأخرى ويقولون نحن معكم و عندما يرون الطرف الآخر يظهرون أنهم معهم فلا كسبوا دنيا ولا كسبوا آخره. قال تعالى “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

ما أجمل الإنسان حين يكون واضح الرؤية و المسير في طريقه ،واضح في تصرفاته،واضح في أعماله لا يشوبه الشك و الريبة فمن أعجبه هذا الوضوح سينظم إليه من هم على نفس خطاه ومن لم يعجبه،هناك من يكونون مثله وعلى شاكلته. فوضوح الرؤية و الإتجاه يحددان مسير الإنسان وكل شخص وضع الله فيه عقلا يقيس أموره ويحدد مصير إتجاهه فمن أراد الهدى سيراه و يتبعه ومن أراد الظلال سيتبع هواه قال تعالى “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” فما يبقى مع الإنسان بعد رحيله إلا الأثر العظيم الذي يتركه في الناس ويقولون “رحم الله فلان كان وكان وكان”

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …