تراتيل الغياب

د. لورانس نعمة الله عجاقة

علّمتني الحياة أن الجميع يرحلون،
لكنهم لا يحملون جواز سفرٍ واحد،
ولا يركبون القطار ذاته،
فبعضُ الرحيلِ يمشي على قدمَين،
وبعضه يتسلّل كالدخان من نافذةٍ مفتوحة،
وبعضه… يسقط كأوراق الخريف، دون ضجّة.

هناك من يرحل حين يذبل النور في عينيك،
وحين تكون بأمسّ الحاجة ليدٍ تسند انكسارك،
يمضي… كأنّه لم يسمع صراخك الصامت،
كأنّك لم تكن في حساب الفقد أصلًا.

وهناك من يرحل حين يملأ جُعبته من دفئك،
وحين يشرب حتى آخر قطرة من حنانك،
ينظر إلى مرآة روحه فيك، ثم يقول لك: انتهيت.
ويغلق الباب، دون حتى أن يعتذر من بقاياك المبعثرة.

وهناك من يختار البديل، لا لأنه أجمل،
بل لأنه لم يُجرّب صبرك كفاية،
فيرى في الزيف نكهةً جديدة، وفي المرايا خدعةً براقة،
فينسى أن الأرواح لا تُستبدل كما تُبدَّل الأقنعة.

وبعض الرحيل يحدث بلا خطى…
ينام بجانبك، يتحدّث إليك، يضحك،
لكنّه غادر منذ زمن،
ترك قلبه معلّقًا على عتبة أخرى،
وأنت ما زلت تكلّمه، وتنتظر، دون أن تعرف أنك وحدك.

أقسى الرحيل… من يخطف روحه ليلاً دون إنذار،
ويتركك تتصفّح أنفاسه في الصور، وتتحسّس حضوره في الغياب.
الذين غادرونا إلى السماء،
ما زالوا يطرقون النوافذ كلّ مساء،
يرسمون ظلّهم في فنجان القهوة،
ويُقاسموننا الدعاء في لحظة سكون.

وأسوأ الرّاحلين: من لا يُلوّح لك،
من لا يُغلق الباب، بل يتركه مواربًا،
فتبقى عالقًا في الاحتمال،
كزهرةٍ تنتظر المطر في موسم الرماد.

علّمتني الحياة أن الرحيل ليس فعلًا،
بل حالة… كحزنٍ يتمشّى في الشرايين،
كصوتٍ مألوفٍ لا تملكه،
كأغنيةٍ تحبّها، وتبكيك… كلّما سمعتها.

لذلك لا أُعلّق قلبي على الأكتاف،
ولا أزرعُ أحلامي في تربةٍ لا تسقيها النيّات،
لكنني أقدّس من يبقى،
من لا ينسحب ساعة العتمة،
من يقول: “أنا هنا”… حين يغيب الجميع.

لأن في هذا الزمن،
البقاء أصبح أصدق أشكال الحب،
وأندر معاني الوفاء.

شاهد أيضاً

إلى نواب المجلس النيابي اللبناني من الطائفة السُنية :

د. عبد المنعم يوسف لقد قال عنكم “الغوريلا” سمير جعجع أن بينكم نواباً من صنف …