سلوى فاضل
في خطوة رائدة، يحاول مجموعة من الناشطين اللبنانيين المخضرمين في مجال الحوار والتقارب إيجاد فسحة جديدة لمواطنيهم لمناقشة قضاياهم العالقة، ولا سيما ما يتعلق بمصير الوطن، وقرار الحرب والسلم، ونهائية الكيان، وأولوية التعايش، وضرورات الحوار. وكل ذلك من أجل ترتيب البيت الداخلي القائم على أرض هشة، تضربها بين حين وآخر صاعقةُ خلافٍ إقليمي، فيتنازع اللبنانيون نتيجة تمسّك كل فريق بجهةٍ ما لدعم خياراته، فيستجلبون الصراعات الإقليمية إلى الساحة الداخلية، في ظل انعدام الاتفاق على المسلّمات الرئيسة حول العدو والصديق، والحليف وغير الحليف. فلكل طائفة في لبنان أبٌ روحي في المشرق أو المغرب، وفي الشرق الأوسط وخارجه.
وبما أن مناصب الرؤساء الثلاثة موزعة طائفيًا، كما يقتضي العرف في لبنان، وعلى النقيض من معظم دول العالم المتحضّر، فإن الصراع ينتقل من الرؤساء إلى الشعب وأبنائه، علمًا أننا قد ريّسنا علينا زعماء وطنيين يتكلمون باسم الجميع دون تفرقة.
وفي الخطاب الرسمي، لا نجد سوى التعايش عنوانًا لكل ورقة من أوراق هذا الزعيم أو ذاك. لكن الواقع انكشف إلى حد كبير منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين اندلعت حرب الإسناد الأولى، التي استمرت خمسة عشر شهرًا، ثم عادت إلى الاشتعال مع حرب الإسناد الثانية في الثاني من آذار/مارس 2026.
اتسع الخلاف بين السياسيين اللبنانيين، وأخذ كل طرف يشد الحبال في اتجاهه، واستعرت الحرب الكلامية داخليًا، رغم حاجة لبنان إلى التضامن والتكاتف. وقد صدّع هذا الشرخ البنية اللبنانية الداخلية المهترئة أصلًا، بفعل النزاعات السابقة المتعلقة بملفات الفساد، والانهيار المالي، وتفجير المرفأ، والصراع السوري–اللبناني، والمقاومة، ونهائية الكيان.
كل مرحلة تقتضي موجة من الحوار والتحاور حول قضايا وملفات مختلفة.
من هنا وُلد «الملتقى الوطني الدائم للعمل من أجل الإنسان في لبنان» على يد مجموعة من الفاعلين والناشطين المتنوعين في أنشطتهم وأعمالهم، لكنهم يلتقون على مجموعة من الأهداف، أبرزها:
-دراسةُ القضايا الوطنيةِ والإنسانيةِ في لبنانَ دراسةً علميةً موضوعيةً بنّاءَة.
-الإضاءةُ على التحدياتِ التي تواجهُ صونَ الوطنِ وحريته وسيادته، وتعزيز بناء دولته القادرة والعادلة، وترسيخ كرامةِ الإنسان وأمنِهِ فيه، واقتراحُ الحلولِ والمقارباتِ الملائِمة.
-تعزيزُ الثقافةِ الوطنية، والتأكيد على إبراز الهوية اللبنانية الجامعةِ، وترسيخُ قيم الانتماءِ والولاء والمسؤوليةِ الوطنية بأفضل ما تعنيه جميعاً، وبِما يمكن أن تتجسّد فيه بالاستناد الى سردية موضوعية جامعة لتاريخنا الوطني.
-الإسهامُ في حمايةِ السِّلمِ الأهليِّ وتعزيزِ أسسِ العيش الواحِد والشراكةِ الوطنيةِ.
-تشجيعُ الحِوارِ بينَ المكوناتِ اللبنانيةِ والمُهتمِّين مِن أهلِ الرأي والاختصاصِ وتعزيز التلاقي على كل ما يجمع لما فيه خيرُ لبنان واللبنانيين.
-الإسهام في تقريبِ وجهاتِ النظرِ، ودعمِ المبادراتِ الوطنيةِ البناءةِ الهادفة إلى صيانةِ أرض الوطن، وبناء الدولة وتفعيل اداراتها، وبسط سلطة أجهزتها الأمنية والمدنية على مدى الكيان الوطني برمته، كما إلى إعادةِ إعماره وتنميتِه بكل ما يلزم لضمان نمائه المُستدام وازدهاره وارتقائه.
-إطلاقُ مواقفَ وتوصياتٍ ورؤًى تختصُّ بالقضايا الوطنية، كما بالأحداث الجارية والمستجدّةِ والطّارئة، وتسهمُ في خدمةِ الوطنِ والإنسانِ.
-التضامن المسؤول مع ضحايا الحروب المستمرة معاناتهم، والسعي إلى دعمهم للحفاظ على كامِلِ حقوقهم وكرامتهم في أرضهم ووطنهم.
لكن لا بد من التساؤل حول بعض الأهداف، ومدى القدرة على تنفيذها في ظل ما نعيشه من ارتباكات داخلية، ومنها: «الإسهام في تقريب وجهات النظر، ودعم المبادرات الوطنية البنّاءة الهادفة إلى صيانة أرض الوطن…»، و«إطلاق مواقف وتوصيات ورؤى تختص بالقضايا الوطنية»…
وإن كانت هذه الجهود المبذولة قد آتت أُكلها، فلا بد من التوقف عند بند مهم جدًا، من وحي الأزمة التي عشناها ولا نزال نعيشها، وهو: «الاعتراف بالآخر، والتعرّف إليه، والاستماع إليه بوعي وانفتاح، وقبوله بإنسانيته أيًّا كان اختلافه أو خصوصيته…». وكأننا هنا قد عدنا عصورًا إلى الوراء، إلى ما قبل تأسيس الدولة بالمعنى الحديث.
وهذا يثير الاستغراب، ويطرح السؤال عن الهوة التي صنعتها الانقسامات السياسية في لبنان، رغم انتهاء الحرب الأهلية منذ العام 1990.
وما بند «الإسهام في تقريب وجهات النظر، ودعم المبادرات الوطنية البنّاءة الهادفة…» إلا محاولة لاستحداث وسيط جديد يسعى إلى المحافظة على ما تبقى من هذا النظام الغارق في الانقسامات. كما أن هذا البند ليس سوى دليل إضافي على محاولة الإمساك بالهيكل العظمي للسلطة، الذي فرّط فيه رجالاتها ولم يحافظوا عليه.
وكل ذلك من أجل «الحرص على عدم تبعية “الملتقى” للانتماءات السياسية والمظلات المذهبية والفئوية، كائنًا ما كان نوعها، والانتصار لقضايا الإنسان في لبنان»، كما جاء في البيان التأسيسي للملتقى، الذي سيُلقى في نقابة الصحافة في بيروت في الخامس من آب المقبل.
فهل سينجح «المغامرون» الجدد، وهم مجموعة من المختصين والمثقفين والعاملين في إطار الحوار البيني والحوار الوطني، من مختلف الفئات اللبنانية، وعلى قاعدة «6 و6 مكرر»، في تحقيق ما عجزت عنه القوى السياسية طوال العقود الماضية؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
