بعد مسيرة حافلة في التأليف التاريخي والقانوني، أقيمت في المكتبة الوطنية في بعقلين ندوة عنوانها كتاب «أبحاث حية في ذاكرة مجلة الحياة النيابية» للدكتور رياض غنّام، الذي يشغل وظيفة المدير العام للجلسات واللجان في المجلس النيابي، والذي قدّم الكتاب في نهاية الندوة هدية للحاضرين.
تخلّل الندوة كلمات عدّة، فإلى جانب المؤلف غنّام الذي ختم الحفل بكلمة شكر وتقدير، تحدّث كل من الأستاذ غازي صعب، مُدير مكتبة بعقلين الوطنية، والمؤرخ الدكتور صالح زهر الدين، والأستاذ سيمون معوض مدير عام ومستشار في مجلس النواب، والدكتور ناصر زيدان، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي في الجامعة اللبنانية، كما قدّمت الحفل الدكتورة ليلى أبو شقرا، الباحثة والأستاذة في ملاك التعليم الثانوي.
تضمّن كتاب “أبحاث حية في ذاكرة مجلة الحياة النيابية”، محطات تؤرخ للإنسان في سَيْره في سفين القانون والعدالة، وترصد تاريخ حياة بأكملها، بحلوها ومُرّها، برجالاتها وسيّداتها، كنبراس يهتدي بضوئه الحكماء، ومرجع لكل مُدمن على المعرفة والوعي والعلمية. لأن المجلس النيابي – كما قالت الدكتورة أبو شقرا في تقديمها للكتاب- هو السلطة التشريعية المؤتمنة على تشريع ما يحفظ الإنسان والكيان، ولأنّ القانون والعدالة ومعرفة تبدلاتهما، وأحوالهما، أمر أساس في أي بُنية اِجتماعية وطنية سليمة.
في كلمته، شدّد صعب على الدور الرائد في التأريخ والتأليف للدكتور غنّام، وعلى أهمية ما قدّمه في مؤلفاته المختلفة لكل مكتبة، وللفكر، والذاكرة، والإنسان.
أمَّا الدكتور زهر الدين، فقد أضاء على العلاقة الإنسانية والصداقة التي تجمعه بالمؤلِّف، مركزّاً على موضوعيته في التأريخ، وأمانته العلمية التي تعتمد على البحث والتدقيق حتى في اختيار المراجع والمصادر التاريخية التي يستند إليها، بالإضافة إلى اعتماده على وثائق غير منشورة، وإيرادها في كتبه بصورتها، وبنصِّها. وذلك – كما يقول الدكتور زهر الدين- بعبارة حسنة السبك، متآلفة التركيب، سهلة الأسلوب، فصيحة، وبليغة من دون تكليف، شيّقة، لا تصعب على الأفهام، ولا يملُّ منها القارئ.
ولعل الجملة الأكثر لفتًا للسمع في ما قاله زهر الدين، الذي بدأ كلمته شعرًا وأنهاها شعرًا، هو قوله بأنَّ غنّام كتب في القانون ما لم يكتبه قانونيّ، وأرّخ ما لم يؤرِّخه مؤرّخ في القانون، فغدا المؤرّخ الحقوقي، والحقوقي المؤرّخ.
بدوره فنّد معوّض، الذي رافق الدكتور غنّام في مسيرته الطويلة والثرية في المجلس النيابي، مؤلفات الأخير، مظهراً توثيقها للكثير من حياة البرلمان ومحاضر جلساته وغير ذلك، ليكون بذلك حافظًا لتفاصيل ووقائع تعرّض بعضها للضياع أثناء الحرب الأهلية.
ومن المؤلفات التي عرّج عليها وذكرها كتاب «الرقابة البرلمانية» التي هي في أساس الحياة السياسية البرلمانية الديمقراطية، والتي على ضوئها يستقيم العمل البرلماني الصحيح لجهة المحاسبة، والمساءلة. وكتاب “المعجم النيابي” و”المعجم الوزاري” و”المعجم الرئاسي”، التي تتضمن سير شخصياتها. وذلك مع الإشارة إلى أنَّ هذه المؤلفات، والتي منها كذلك “المجالس النيابية” و”مجلس النواب في ذاكرة الاستقلال النيابي”، قد كتبها الدكتور غنّام بالتعاون مع أمين عام مجلس النواب، الأستاذ عدنان ضاهر.
أمّا الدكتور ناصر زيدان، فقد جمع في كلمته بين السياسة والتاريخ لتشكّل صورة شاملة للكتاب موضوع الندوة “أبحاث حية في ذاكرة مجلة الحياة النيابية”، والذي غطّت فصولُه اختصاصات المجلس النيابي لجهة صلاحياته التشريعية، والسياسية، والتأسيسية، والقضائية، والمالية، ومسألة التمثيل النسائي في البرلمان اللبناني، إلى جانب مسألة التقويم عبر العصور وصولاً إلى التقويمين الميلادي والهجري، والامتيازات الأجنبية في السلطنة العثمانية وأثرها السلبي زمن ضعف السلطنة، كما في السياسة المشرقية منذ العام ١٥٢٥م، فضلاً عن الإرساليات الأجنبية وما طبعته في التعليم، وصولاً إلى الأسر الحاكمة التي حوّلت مهامها زمن السلطنة، من الالتزام الضريبي إلى الوظيفة ذات المردود المالي، خاصة العمل في السياسة تشريعًا، وتنفيذًا، نواب ووزراء وموظفي دولة.
وفي الختام، كان للدكتور غنّام كلمة نقلت بالفعل عرفان قلبه، وامتنان فكره، لكل من حضر تكريمًا له ولمسيرته، وللأساتذة المتحدثين، كما لمديرة الندوة ومُقدّمتها الدكتورة ليلى أبو شقرا، قبل أن ينتقل الحضور والدكتور غنّام إلى باحة قاعة المكتبة لإهداء الكتاب، وأخذ الصور التذكارية مع كل من حضر، تقديرًا لهم، ووفاءً للمعرفة، وإيمانًا بالكتاب، والعقل.
الدكتور غنّام احتفى في هذه المناسبة بأول توقيع لكتاب من تأليفه، على الرغم من تجاوز مؤلفاته الواحد وعشرين مؤلّفًا، ليكون بذلك تكريمٌ لمسيرته التأريخية الطويلة، وتكريم للعلم وأمانة التاريخ، التي يدّعيها الكثيرون، لكنّ القلة فقط من تستطيع الوفاء بها، والنهوض فيها إلى حيث العلياء، وخير الإنسان بكل موضوعية. وهذه القلّة مثالها الدكتور رياض غنّام.
ولعلّ الكلمات التي قدّمت فيها الدكتورة أبو شقرا الدكتور رياض غنّام شعرًا، اعتذرت عن خلل إيقاعه مُسبقًا صونًا للأمانة، وابتعادًا عن ادعاء صفة شاعر؛ لعلّ هذه الكلمات تختصر روحية هذا اللقاء وفحواها، مع التمنيات للدكتور غنّام بمزيد من العطاء، ومزيد من التأليف الذي يغني المكتبة الإنسانية، والتاريخ الذي إنا له لحافظون وصانعون وكاتبون.
راضَ الــكلمــةَ فــي جبــلٍ ، فــــأصبـــحَ للعلــمِ هــــو ريــاضَ
وحـلَّ فـي بـيـروتَ مُـديــرًا ، فزَانَ الـمـجلـسَ بِـقولِـهِ بيـــاضَ
وغَـــنِــــمَ في دميْتَ عُـزوةَ أهل ٍ ، نيحا أيُّوبُ لــه حِياضَا* *حرماتها ومقدساتها
حَمَــلَ الـحقوقَ شــــهـادةً ، و للتـــاريـخ ســـــــامَ* المخـاضَ * لزمه ولم يبرح عنه
هــُـــوَ فــــي أهلِــــهِ قـلـعــــةٌ ، ويــــــراعٌ وِردُه فــيــَّـــاضــــــا
ونـحــن اليـــومَ إذْ نـُكَرِّمــُـهُ، نعلـو بـِالعقــلِ حدَّ الســحابَ
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
