قاسم الغراوي
رئيس مركز انكيدو للدراسات
شكّلت مقولة هنري كيسنجر الشهيرة: “صداقة أمريكا أخطر من عداوتها” مادة تحليلية بالغة الأهمية في فهم سلوك الولايات المتحدة في العلاقات الدولية. إذ تعبّر عن طبيعة السياسة الأمريكية التي تقوم على المصالح المتغيرة لا على المبادئ أو الالتزامات الأخلاقية. فالتجربة التاريخية لحلفاء واشنطن تظهر أن “الصداقة” لم تمنح الأمان بل تحولت في حالات كثيرة إلى خذلان مدوٍ، جعلها أخطر من العداء المباشر.
أولاً: القصد من المقولة
القصد أن التحالف مع الولايات المتحدة قد يمنح انطباعًا بالثقة، لكنه يحمل بذور الخطر لأن واشنطن لا تتردد في التخلي عن أقرب حلفائها إذا تعارضت مصالحهم مع مصالحها العليا. فالعداء المكشوف يتيح الاستعداد والمواجهة، بينما الصداقة قد تفضي إلى مفاجآت أكثر تدميرًا.
ثانياً: الدلائل التاريخية
1- الشرق الأوسط
ا-الأكراد في العراق: دعمتهم واشنطن ضد بغداد في السبعينيات، لكنها تخلت عنهم بعد اتفاق الجزائر 1975 بين العراق وإيران (انظر: ويليام إيغلز، الولايات المتحدة والمسألة الكردية، Foreign Affairs, 1976).
ب-انتفاضة 1991: شجعت الولايات المتحدة الأكراد والشيعة على الثورة ضد صدام حسين، ثم تركتهم يواجهون القوات الحكومية دون حماية (انظر: تقرير Human Rights Watch، 1992).
ج-شاه إيران: كان يُلقب بـ”شرطي الخليج” لدى واشنطن، لكنها لم تحمه عند اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، ورفضت منحه لجوءًا دائمًا (انظر: ويليام شوكروس، The Last Journey of the Shah، 1980).
د-مصر – حسني مبارك: ظل حليفًا لواشنطن لعقود، لكنها تخلّت عنه في أحداث 2011 واعتبرت تنحيه شرطًا لاستقرار البلاد (راجع: ديفيد كيركباتريك، Into the Hands of the Soldiers، 2018).
2- آسيا
ا-فيتنام الجنوبية: انهارت بعد انسحاب واشنطن عام 1973 رغم وعود الدعم، وهو ما كشف أن التحالف كان مؤقتًا (انظر: ستانلي كارنوف، Vietnam: A History، 1993).
ب-أفغانستان: دعمت واشنطن “المجاهدين” ضد السوفييت في الثمانينيات ثم تركت البلاد للفوضى. وبعد 20 عامًا من الغزو، تخلّت عن حكومة كابول في 2021 لصالح عودة طالبان (انظر: ستيف كول، Ghost Wars، 2004؛ تقرير BBC حول الانسحاب الأمريكي، 2021).
3-أمريكا اللاتينية
ا-تشيلي: ساهمت واشنطن في انقلاب بينوشيه ضد الرئيس سلفادور أليندي عام 1973 رغم التعاون السابق، لأن توجهاته الاشتراكية تعارضت مع مصالحها (انظر: بيتر كورنبلوه، The Pinochet File، 2003).
ب-بنما: بعد سنوات من التعاون مع مانويل نورييغا، أطاحت به الولايات المتحدة عام 1989 في عملية عسكرية مباشرة، متذرعة بتهم الفساد والمخدرات (راجع: تقرير Library of Congress، 1990).
ثالثاً: تحليل المصداقية
1-المصلحة فوق المبادئ: تاريخ السياسة الأمريكية يكشف أن التحالفات تُبنى على المنفعة الآنية لا على قيم ثابتة.
2-التخلي عند تغير المعادلة: ما إن ينتهي دور الحليف في خدمة الاستراتيجية الأمريكية حتى يُستبعد أو يُضحى به.
3-خطر الصداقة أكبر من العداء: لأن الصديق يبني حساباته على وعود الحماية فيُفاجأ بالخذلان، بينما العدو يتخذ استعداداته منذ البداية.
رابعاً: دلالات معاصرة
1-من يراهن على أمريكا كحليف دائم يكرر أخطاء شاه إيران، أليندي، مبارك، وحكومة كابول.
2-على الدول، ومنها العراق والمنطقة العربية، أن تدرك أن واشنطن لا تمنح “ضمانات استراتيجية” حقيقية، بل تستخدم التحالفات كورقة ضغط وتفاوض.
3-السياسة الواقعية تقتضي بناء قوة ذاتية وتحالفات متوازنة، وعدم الارتهان لطرف واحد مهما بدا قويًا.
إن مقولة كيسنجر ليست مجرد ملاحظة بل قانون واقعي في العلاقات الدولية: صداقة أمريكا غالبًا ما تكون أخطر من عداوتها، لأن الأولى تحمل وهم الأمان الذي يُفضي إلى صدمة الخيانة، بينما الثانية تكشف بوضوح حقيقة الصراع وتدفع إلى الاستعداد. والدرس الأهم أن الدول لا ينبغي أن تُسلّم قرارها الوطني لواشنطن، بل أن تبني قوتها الذاتية وتتعامل معها وفق مبدأ التوازن لا الارتهان.
المراجع والمصادر
1. William Eagleton, The Kurdish Republic of 1946, Foreign Affairs, 1976.
2. Human Rights Watch, Endless Torment: The 1991 Uprising in Iraq and Its Aftermath, 1992.
3. William Shawcross, The Shah’s Last Ride: The Fate of an Ally, 1980.
4. David D. Kirkpatrick, Into the Hands of the Soldiers: Freedom and Chaos in Egypt and the Middle East, 2018.
5. Stanley Karnow, Vietnam: A History, 1993.
6. Steve Coll, Ghost Wars: The Secret History of the CIA, Afghanistan, and Bin Laden, 2004.
7. BBC, Afghanistan: How the Taliban gained ground so quickly, August 2021.
8. Peter Kornbluh, The Pinochet File: A Declassified Dossier on Atrocity and Accountability, 2003.
9. Library of Congress, Panama: A Country Study, Washington, 1990.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
