بقلم: د. محمد البيومي
في قطاع غزة، حيث تختلط التحديات الأمنية بالضغوط السياسية والضبابية الإدارية، تبرز الصحافة الاستقصائية كأحد أهم الأسلحة التي يمتلكها المجتمع في مواجهة الفساد والمحسوبية وغياب الشفافية. فالمواطن الغزي الذي يكابد أثر الحصار والانقسام وأزمات الخدمات، يحتاج قبل أي شيء إلى إعلام مهني قادر على كشف الحقائق والدفاع عن المصلحة العامة.
تحديات بيئة استقصائية معقدة
العمل الاستقصائي في غزة ليس مهمة سهلة. على العكس، هو عمل محفوف بالمخاطر، يبدأ من لحظة البحث عن المعلومة ولا ينتهي بعد نشر التحقيق. أولى هذه التحديات هي التحديات الأمنية؛ فالصحفي الذي يقترب من ملفات حساسة كالهدر المالي أو التجاوزات الإدارية يجد نفسه أمام جدار من الصمت أو الملاحقة أو الضغط المباشر. في بيئة تسيطر عليها حساسيات سياسية وأمنية كبيرة، يصبح كشف الحقيقة أحيانًا أقرب إلى المغامرة.
ثاني هذه العوائق هو صعوبة الوصول إلى المعلومات. كثير من المؤسسات العامة والخاصة تمارس سياسة “حجب البيانات”، سواء بدافع الحماية الذاتية أو بسبب غياب التشريعات التي تُلزمها بالإفصاح. عدم وجود قانون واضح لحق الحصول على المعلومات يحوّل عملية الاستقصاء إلى رحلة بحث مرهقة، تعتمد غالبًا على مصادر بشرية خائفة أو وثائق يصعب الوصول إليها.
كما تشكل القيود السياسية أحد أبرز التحديات، إذ يتعرض بعض الصحفيين لضغوط مباشرة أو غير مباشرة عند الاقتراب من ملفات تخص جهات نافذة أو مؤثرة. هذه الحالة تجعل الاستقلالية الإعلامية هشّة، وتضع الصحفي المستقصي بين خيار الصمت أو المخاطرة.
ورغم حساسية هذه البيئة، يظل غياب كوادر متخصصة ومدربة من أكبر نقاط الضعف. فالعمل الاستقصائي يحتاج فهماً عميقاً للأخلاقيات المهنية، وكيفية التعامل مع المصادر، وحماية خصوصية الأفراد، ومعرفة الحدود المهنية التي توازن بين كشف الحقيقة وعدم الإضرار بالمجتمع.
الفساد في غزة… مسؤولية من؟
الفساد والمحسوبية في غزة ليسا شائعات، بل واقع يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية: الخدمات، المشاريع، الوظائف، المعاملات الإدارية، وأحيانًا حتى القرارات المهنية داخل المؤسسات. وعندما تتداخل المصالح بين الجهات الرسمية وبعض رجال الأعمال، يصبح تأثير الفساد أكبر من كونه مجرد قضية أفراد؛ إنه تهديد لبنية المجتمع وثقته.
من هنا، يأتي دور الصحافة الاستقصائية كسلطة رقابية موازية، تمثّل المواطن وتدافع عنه. عندما تُكشف قضايا فساد في وزارة أو مؤسسة أو شركة خاصة، فإن ذلك لا يفضح المخالف فقط، بل يعيد الثقة للمواطن بأن هناك من يحمي حقه، ويتابع كيف تُدار الأموال العامة والفرص الاقتصادية.
ماذا نتعلم من الدول الأكثر شفافية؟
على المستوى الدولي، تظهر تجارب لافتة لدول استطاعت بناء بيئة شفافة تحترم الصحافة وتُشركها في مراقبة الأداء العام.
الدنمارك، النرويج، وفنلندا تُعد من أكثر البلدان نزاهة وفقًا لمؤشرات الفساد العالمية. وراء هذا النجاح عوامل عدة، أهمها:
قوانين صارمة تكفل الوصول للمعلومات.
حماية قانونية كاملة للصحفيين والمبلغين.
ثقافة مجتمعية تعطي قيمة عالية للشفافية.
استقلالية حقيقية للمؤسسات الإعلامية.
هذه التجارب تؤكد أن الصحافة الاستقصائية لا تزدهر إلا في بيئة تحتويها، وتمنحها الأدوات والحرية اللازمة للعمل.
بوصلة إصلاح… من أجل غزة
من خلال تجربتي الأكاديمية والعملية في الإعلام، أرى أن بناء صحافة استقصائية قوية في غزة يحتاج خطوات واضحة، منها:
1. تشريع قانون لحق الحصول على المعلومات
هذا القانون سيُجبر المؤسسات على الشفافية، وسيمنح الصحفي حماية قانونية في بحثه عن الحقيقة.
2. تدريب كوادر مهنية متخصصة
يجب الاستثمار في ورش ودورات تُعنى بالمهارات الاستقصائية، تشمل جمع الأدلة، حماية المصادر، والعمل الأخلاقي المنضبط.
3. تعزيز دور المجتمع المدني
وجود مؤسسات رقابية داعمة للصحفي يسهم في خلق شبكة حماية وتشجيع على كشف الفساد.
4. نشر الوعي المجتمعي
فهم الناس لأهمية الصحافة الاستقصائية يحولهم إلى شركاء في توفير المعلومات ودعم كشف التجاوزات.
خلاصة القول
غزة تحتاج الصحافة الاستقصائية الآن أكثر من أي وقت مضى. فالمجتمع الذي يواجه الأزمات المتراكمة لا يستطيع أن ينهض دون رقابة حقيقية تكشف الفساد وتطالب بالمحاسبة. وفي ظل غياب الشفافية، تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى.
الصحافة الاستقصائية ليست عملًا ضد المؤسسات، بل عمل لصالح المجتمع. إنها دفاع عن المواطن، وعن المال العام، وعن الحق في العيش ضمن بيئة نزيهة تُدار بشفافية وعدالة.
وفي النهاية، الحقيقة — مهما تأخرت — تظل أقوى من الصمت
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
