فضل الله:” ندعو الدّولة اللبنانية لتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها والقيام بدورها في حمايتهم. والتّحرّك الدّبلوماسي لإيجاد بيئة دوليّة ضاغطة على الكيان الصّهيوني لارغامه على الالتزام بالاتّفاقات المعقودةولمقاربة وطنيّة شاملة أمام المنعطف الخطير الّذي يمر به الوطن”
استقبل العلّامة السّيّد علي فضل الله في مكتبه في حارة حريك ،النّائب ملحم خلف حيث جرى عرض للأوضاع العامّة في لبنان والمنطقة، وجرى التّداول في تطوّرات الوضع الدّاخلي والمرحلة المقبلة.
وقال النّائب خلف في مداخلة له:” نشدد على أن تكون هناك رؤية لبنانيّة مشتركة تؤسّس لكيفية التّعاطي مع ما يجري في لبنان وآفاق المرحلة المقبلة. وأن يكون ذلك في منأى عن أيّ تفكير ضيّق أو رؤية طائفيّة أو مذهبيّة مغلقة”.
من جهته قال السّيّد فضل الله:” أنّنا في لبنان أمام منعطف كبير ومرحلة خطيرة لا يمكن مقاربتها من زاوية واحدة، بل من رؤية وطنيّة شاملة ولا بد لكلّ الطّوائف والمذاهب والمكوّنات السّياسيّة أن تعمل على مواجهة ما يجري من خلال حوار حقيقي يبتعد عن كلّ أشكال الدّيكور والمقاربات الشّكليّة الّتي اعتاد عليها اللبنانيّون في المراحل السّابقة”.
واضاف فضل الله:”برأينا أن يتحمّل الجميع مسؤوليته أمام هذا المنعطف، سواء على مستوى الجهات الرّسميّة أو الحزبيّة أو من هم في المواقع الدّينيّة، مؤكّدًا على أن بداية التحسّس لهذه المسؤوليّة تنطلق من الخطاب الّذي ينبغي أن يكون هادئًا ومتوازنًا وبعيدًا عن كل الحالات الغرائزيّة والانفعاليّة، وأنّنا جميعًا نشعر بالقلق ولكن الخطاب الانفعالي يضاعف حالات القلق لا يلغيها وقد يدخلنا في الفوضى الّتي تُسقط الهيكل على رؤوس الجميع.”

سنة هجرية
من جهة اخرى ،ألقى السيّد فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات السياسية والدينية والاجتماعيّة، وحشدٍ من المواطنين ومما جاء في خطبته السياسية: “عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما كان يدعو به رسول الله (ص) مع كل بداية لسنة هجريّة جديدة عندما قال: “اللهم أنت الاله القديم وهذه سنة جديدة، فأسألك فيها العصمة من الشّيطان والقوّة على هذه النّفس الأمّارة بالسّوء، والاشتغال بما يقربني إليك يا كريم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعلنا خيرًا مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون، ولا تؤاخذنا بما يقولون، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب” ،نسأل الله أن يوفّقنا لتكون سنة جديدة مفعمة بالخير والعمل الصّالح وأن تكون أفضل من ماضيها… لنكون بذلك أكثر وعيًا ومسؤوليةً وقدرةً على مواجهة التّحديات.والبداية من الإنجاز الكبير الّذي حقّقته الجمهوريّة الإسلامية في إيران في ردّ العدوان الصّهيوني عليها والّذي أكّدت فيه مدى قدراتها الّتي فاجأت العدو ووصلت إلى عمق كيانه ما لم يعهده منذ نشوئه، ما دعاه إلى إيقاف عدوانه ومنعه من تحقيق أهدافه الّتي كان يسعى إليها والّتي كنّا أشرنا سابقًا إلى أنّها تجاوزت حدود ما أعلن عنه من منع إيران من امتلاك القدرة النوويّة إلى المسّ بقدراتها العسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة والعلميّة وتماسك شعبها ووحدته وصولًا إلى تقويض أركانها.
لقد حصل هذا الانجاز رغم الاغتيالات الّتي قام بها العدو والاستهداف للمواقع العسكريّة والاقتصاديّة ورغم القدرات الّتي يمتلكها هذا العدو والدّعم المباشر وغير المباشر الّذي حظي به من الولايات المتّحدة الأميركيّة والدّول الغربيّة ورغم الحصار الّذي عانت منه طويلًا، لقد استطاعت الجمهوريّة الاسلاميّة وبقدراتها الذّاتيّة وامكاناتها الّتي طوّرتها وبدون أن تحظى بأي دعم خارجي أن تقدّم أنموذجًا يحتذى به في قدرتها على الوقوف في وجه أطماع هذا الكيان ومخطّطاته”.
واضاف فضل الله:”لقد مثّلت إيران بهذا الانجاز عنصر ردع لهذا العدو ما سيجعله يعيد النّظر بكل مخطّطاته التّوسعيّة في المنطقة… كما سيعطي هذا الإنجاز الأمل لكلّ الّذين عانوا من ويلات العدو وجرائمه بقدرتهم على استعادة قرارهم وحريّتهم ودحر العدو عن أرضهم ومقدّراتهم ،وإنّنا أمام ذلك نهنّئ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران على قدرتها في ردّ العدوان بفعل وعي قيادتها الحكيمة والصّمود الّذي أظهرته في مواجهة هذا العدوان ونحن على ثقة بأنّها قادرة على تجاوز كل الجراح والآلام الّتي عصفت بها وستبقى أمينة على المبادئ والقيم الّتي حملتها ولأجلها قدّمت التّضحيات في الوقوف مع المظلومين والمستضعفين وعلى سياستها الّتي تقوم على عدم الاعتداء على أحد ولكنّها لن تقبل أن يعتدي عليها أحد ،ونحن في هذه المناسبة نحيي الموقف الموحّد الّذي اتخذته الدول العربيّة والاسلاميّة في إدانة هذا العدوان الظّالم ورفضها له ولكنّنا نريد أن يتجاوز موقفها حدود الإدانة إلى عمل مشترك لمواجهة التّحدي الّذي سيبقى ماثلًا من قبل العدو الصّهيوني الّذي سعى ولا يزال يسعى ليكون هو الأقوى في هذه المنطقة والمهيمن عليها، ويقف أمام كل من يريد أن يسعى لبناء قواه الذّاتيّة وتطوير قدراته وأن يكون له قراره الحرّ”.
وتابع فضل الله:”إنّنا نؤكّد أن العالم العربي والإسلامي لديه كلّ القدرات والإمكانات لمواجهة تحدّيات هذا العدو أو غيره ان عرف مكامن قوته وتوحّدت جهوده وخرج من الانقسامات الّتي تعصف به والّتي تشتّت قدراته وتذهب بريحه، والّتي يعمل عليها من خلال إثارة الغرائز الطّائفيّة أو المذهبيّة أو القوميّة أو باستحضار سلبيات التّاريخ أو تخويفها بعضها من بعض.وبالانتقال إلى غزّة نرى أنّ العدو الصّهيوني يستمرّ في ارتكاب أبشع المجازر فيها وعمليّات القتل الجماعي الّتي تلاحق حتّى السّاعين لتأمين احتياجاتهم من الغذاء والدّواء في ظلّ الحصار المطبق عليهم ما يندى له جبين الإنسانية، ومع الأسف يجري كل ذلك في ظل صمت العالم وسكوته وعدم اصداره حتّى بيانات الإدانة. إنّنا نحيي صمود هذا الشّعب وثباته في أرضه وعلى التّمسك بمقاومته الشّجاعة متسلّحًا في ذلك بإيمانه بالله وحقّه بالحريّة، ونحن على ثقة بأنّه رغم قلّة الامكانات والتّضحيات الجسام سيمنع العدو من تحقيق أهدافه الّتي يسعى إليها وتحقيق تطلّعاته في العيش الكريم على أرضه وامتلاك قراره فيها عاجلًا أو آجلًا.”
واردف فضل الله:”نعود إلى لبنان الّذي يستمرّ العدو الصّهيوني في استهدافاته من خلال الغارات المتواصلة على مناطقه، وعمليّات الاغتيال للّبنانيّين أثناء تنقّلهم وداخل قراهم أو التّفجير للبيوت المتبقّية في القرى الحدوديّة لمنع النّاس من العودة إليها أو الطّلعات الجوّيّة لمسيّراته الّتي تجوب المناطق اللّبنانيّة وصولًا إلى بيروت والّتي يسعى العدو من خلالها إلى الضّغط على لبنان للرّضوخ لهذا العدو والقبول بمطالبه الّتي تمسّ بسيادة البلد وأمنه واستقراره”.
واكد فضل الله:”إنّنا نعيد دعوة الدّولة اللبنانية لتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها والقيام بدورها في حمايتهم. فلا يجوز أن يمرّ هذا الأمر مرور الكرام ومن دون حتّى بيانات استنكار وشجب وإدانة والّتي هي أضعف الإيمان، وعدم التوقّف عن التّحرّك الدّبلوماسي لإيجاد بيئة دوليّة ضاغطة على الكيان الصّهيوني لارغامه على الالتزام بالاتّفاقات المعقودة، ونحن على هذا نجدّد دعوتنا للبنانيين جميعًا إلى أن يكونوا أمناء على هذا الوطن وأن يتوحّدوا ليواجهوا الضّغوط الّتي تمارس أو تلك الّتي ستمارس عليهم والّتي تمسّ أمنهم وسيادتهم وأن يستحضروا في مواجهة ذلك مواقع قوّتهم وأن لا يسمحوا للعدو أن يستفيد من كلماتهم وتصريحاتهم ومواقفهم”.
وختم فضل الله:”سنكون في الأسبوع القادم وفي يوم الجمعة الرّابع من تمّوز من العام ٢٠١٠،مع ذكرى ارتحال الوالد المرجع الديني الراحل السّيّد محمد حسين فضل الله (رض) إلى رحاب ربه، وهو الّذي عاش معنا ولم يغادرنا في كلّ الظّروف والصّعوبات والتّحديات ومن نهلنا من معين علمه وفكره وكلماته ومواعظه وأحاديثه ومن أفنى عمره ليخرجنا من ضعفنا وجهلنا وتخلّفنا… ومن عمّق وعينا بالإسلام في نقائه وصفائه وعرّفنا أن الحياة لا تبنى بالضّعف والتّسليم بالأمر الواقع بل بمنطق الأعزاء والأحرار الّذين يعيشون هموم النّاس كل النّاس والأمّة، ومن يقفون المواقف العزيزة ممّن لا يخشون في الله لومة اللائم.ونحن وبسبب الظّروف الصّعبة الّتي نعيشها لن نقيم هذه السّنة احتفالًا بل سنلتقي في هذا اليوم لنتوجه إليه بسلامنا ونهديه ثواب قراءتنا الفاتحة له اعترافًا بالجميل وشكرًا له لما قدم والّذي سنحفظه جميعًا بكل ما استطعنا من قوّة.”

استلهام عاشوراء
من جهة اخرى ،أكد السيد فضل الله في كلمة عاشورائية، :”أننا عندما نستعيد عاشوراء، فإننا لا نستعيد التاريخ فحسب، بل نستحضر الواقع ونستلهم المستقبل فالحسين، في كلّ حركة قام بها، كان يفكّر للمستقبل الآتي لنا ولكلّ أجيالنا”، مشيرا إلى ان “عاشوراء تمثّل حدثاً تاريخياً أخلاقياً روحياً توعوياً وثورياً كبيرا ونحن نحييها لنعبّر عن عاطفتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا تجاه من أخلص لله وعمل من أجل الأمة ولنؤكّد خيارنا ونعزّز منطق عاشوراء وقيمها في النفوس”.
وأضاف فضل الله : “عمل الإسلام من اجل أن يثبّت الوعي ويحرك العقول فدعا الإنسان إلى أن يفكّر في كلّ شيء فالأمّة عندما تتحرَّك عقولها لن يستطيع أحد أن يسيطر عليها أو أن يتحكَّم بقرارها ومصيرها أو أن يستغلّها، أو يتلاعب بها، أو يأخذها إلى حيث يريد”.
وتابع فضل الله: “عندما شعر الإمام الحسين، ان الحكم الأموي استطاع ان يتحكم بقرار الأمة التي عجزت عن ان تحرك عقلها وتصوب فكرها واضاعت معايير الحق والباطل او الصلاح والفساد في الحكم فرضخت للحاكم الظالم، وقبلت بما يمليه عليها ولو كان لا ينسجم مع الإسلام وعندما رأى الإمام الحسين، أن الأمة قد شُلت إرادتها إرادة التغيير وقبلت بالأمر الواقع وركنت إلى الظلم والظالمين وفقدت الشعور بالمسؤولية مسؤولية التغيير وحفظ الأمانة التي حملها الله للمؤمنين في مواجهة المنكر والفساد والظلم وحتى لا يضيع الدين ويضيع الإسلام وكل التضحيات التي قدمت لحساب مفاهيم منحرفة وأفكار ضالة اُعطيت اسم الإسلام والإسلام منها بريء عندما رأى كل ذلك تحرك لمواجهة هذا الواقع الظالم وانطلق بثورته رغم معرفته أنَّ أوضاع الأمة والظروف المستجدة قد لا تؤدي إلى نجاح عملية تغيير الحاكم الظالم وإعادة الحقّ إلى نصابه وعلى ان يتمكن ان يرد للدين معالمه ويقيم المعطلة من حدوده ويستطيع نصرة المظلوم وتخليصهم من العبودية، لكنه كان متأكّداً من أن ما سوف تقدمه الثورة من مواقف وتضحيات ومن الآم سوف تسهم في إعادة إنتاج الوعي لتعيد له حرارته وللإرادة التي أرادوا لها ان تتخدر أن تستعيد حريتها وقرارها وللقلوب التي تحجَّرت ان تتحرك فيها الحياة وفعلا لقد أحدثت هذه الثورة الحسينية هذا الزلزال الكبير في الإنسان وفي الأمة في عقلها وقلبها وفي إرادتها ما جعلها قابلة لكي تخلد في التاريخ وتشكل حافزا لكل الثوار لكي ينطلقوا لمواجهة الباطل عندما يسيطر والفساد عندما ينتشر والظلم عندما يسود”.

واردف فضل الله:” ندعو الى إبقاء عاشوراء حيّة في الوعي وفي القلب وفي السلوك، فالمرحلة أحوج ما تكون إلى أن نثبت قيمها ومنطقها، وان قيم عاشوراء قيم الحرية وقيم العزة وقيم الكرامة وقيم الحق والتي انطلقت في العاشر من محرم في عام 61 للهجرة هي القيم التي نحتاجها اليوم لتتحول إلى فعل تغييري لكل واقع فاسد ونريد ان نستحضرها ليملأ الخير واقع الإنسان في مواجهة كل شر ولينطلق الوعي في مواجهة كل جهل وليتحرك العدل في مواجهة كل ظلم من اجل النهوض بالإنسان والأمة بشكل راق وحضاري. إننا نريد لجمهور عاشوراء ان يكون دوما الصوت المدافع عن كل المظلومين والمضطهدين في العالم والوقوف مع الحق مهما كانت هوية أصحابه ومع العدل بغض النظر عن كل انتماء طائفي أو مذهبي أو قومي أو عرقي”.
وختم فضل الله : “إننا نريد عاشوراء التي تقف مع كل الاحرار الذين يعملون لتحرير الأرض من المحتل ويقفون في مواجهة كل من يتربص بالوطن وعاشوراء التي تقف مع القضايا العادلة للأمة وتقف في وجه كل من يريد اسقاطها ويسعى لنهب ثرواتها واحتلال أرضها ومصادرة قرارها”.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
