المواكب الحسينية في خدمة زوّار الأربعينية (٢)

بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

في زيارتي الثانية إلى العراق، كنت أكتشف في كل محطة من محطات الطريق إلى كربلاء وجهًا جديدًا من وجوه العطاء. فالمواكب الحسينية ليست خيامًا نُصبت على جانبي الطريق، وإنما عالمٌ متكامل تنبض فيه القيم، وتتجسد فيه أخلاق الإمام الحسين عليه السلام في أدق تفاصيلها.

ومن الشخصيات التي تركت في نفسي أثرًا كبيرًا الأخ أبو حسن الزهيري، رئيس هيئة الصحابي الجليل سلمان المحمدي (رضوان الله عليه)، والمشرف على عددٍ من المضائف والحسينيات التي تتشرف بخدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام. جاء من بغداد، تاركًا أعماله ومسؤولياته، ليعيش أيام الأربعين بين الزائرين، لا يرى في ذلك مشقةً، وإنما نعمةً أنعم الله بها عليه.

وخلال حديثي معه، قال عبارةً بقي صداها يرافقني في الطريق: «ليس هناك أفضل من شرف خدمة الزوار.» لم تكن كلماتٍ عابرة، بل كانت ترجمةً لحياته، ولحياة آلاف الخدّام الذين يجعلون من خدمة زائر الحسين عليه السلام رسالةً وعشقًا وعبادة.

وفي مضائفه، كما في كثير من المواكب الحسينية، لا تقف الخدمة عند حدود الطعام والشراب، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان. فحلقات تلاوة القرآن الكريم تعمر المكان، والمحاضرات الدينية والثقافية تستقطب الشباب، والمسابقات القرآنية تجمع الأطفال والناشئة، والندوات الفكرية تفتح أبواب الحوار، في مشهدٍ يبعث على الأمل، ويؤكد أن المواكب الحسينية تؤدي رسالةً تربويةً وثقافيةً إلى جانب رسالتها الخدمية.

وكان أكثر ما استوقفني حضور الشباب. وجوهٌ يملؤها الحماس، وأيدٍ لا تعرف الكلل، وقلوبٌ تعلقت بخدمة الإمام الحسين عليه السلام. بعضهم يحمل الطعام، وآخر يوزع الماء، وثالث ينظم البرامج الثقافية، ورابع يشارك في تلاوة القرآن الكريم، حتى بدا الموكب مدرسةً تُخرّج جيلًا يعرف قيمة العمل، ويحمل روح المسؤولية، ويتربى على الإيمان والإيثار والانضباط.

هذه الأنشطة لا تصنع موسمًا عابرًا، وإنما تصنع وعيًا متجددًا. فكثير من الشباب يجد في هذه المواكب بيئةً صالحةً تنمّي شخصيته، وتعمق علاقته بالقرآن الكريم، وتزيده ارتباطًا بأهل البيت عليهم السلام، وتمنحه فرصةً ليكتشف أن خدمة الناس من أجلِّ القربات إلى الله تعالى.

وأنا أغادر تلك المواكب في طريقي إلى لبنان، أدركت أن الطعام يشبع الجسد لساعات، أما القرآن، والكلمة الصادقة، والمجلس الحسيني، والقدوة الحسنة، فإنها قد ترافق الإنسان عمرًا كاملًا. ومن هنا تتجلى عظمة المواكب الحسينية؛ فهي تبني الإنسان كما تخدمه، وتصنع الوعي كما تصنع الضيافة، وتؤكد في كل عام أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام ما زالت تنبض في ضمائر الناس علمًا، وأخلاقًا، وعطاءً لا ينضب.

شاهد أيضاً

أغنى الناس… مَن قَنِعَ بما قَسَمَهُ الله

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل ليس الغنى أن تمتلك مفاتيح الخزائن، ولا أن تتكاثر …