قراءة لقصة الغريبان للكاتبة د. ناتالي الخوري غريب

إبراهيم الأعاجيبي

كثيراً من الكُتابِ يكتبونَ, وكثيراً من الأدباءِ ينضمونَ, لكنّ قليلاً من بينهم من تجد له لمسةً من الإبداع, ونقصدُ بالإبداع معناه اللغوي والإصطلاحي, أي أنَّه الشيء الجديد المبتكر, أو كما يقال ابتدعَ أي شقَ طريقاً جديداً, المرجعياتُ المعرفية تمدُ الكاتب بالعمقِ واللغة الرصينة في طريقة الكتابة, نلحظُ هذا في الكتابات التي تكتبها الكاتبة اللبنانية د. نتالي الخوري غريب, فهي تغوصُ بسردٍ غرائبي نخبويٍّ بحقٍ وحقيق, قصةُ الغريبان التي كتبتها بنفس ولغة وذوق فلسفي أو ما يسمى فلسفةٌ سردية, الحواراتُ المتعددة تضمرُ تأويلاتٍ عدة من خلالِ الحوار الشخصي, يقولُ النص: هاتفتها العرّافة قالت: لا تبحثي عن السّرّ في الصّندوق، ولا خلف الجبال وفي الوديان أو حتّى في السّماء السّابعة. هو كامن أبدًا في الغد الملعون؛ فلكلّ سرٍّ في كشفه ميقات، يضيء على ما كان ويكون. لكنّها ما اقتنعت، فتحت الصّندوق، فوجدت أوراقًا بيضًا، وعود كبريت, النص يحملُ تأويلاتٍ عديدة, قد تفتح الآفاق لدى القارئ الذي لديه الرغبة في الغوص والسياحة في هذا الولوج الصعب, العرافةُ والتنبؤ علاقة منذ الأزل هي علاقة حميمية, وكثيراً من لجأ الأفراد إلى فتاحي الفال وقارئات الفنجان ليستظهروا المستقبل القريب والبعيد, لكن العرافةُ هنا تحذر من هذا المستقبل وتصفه بكلمة ( الملعون) هي إشارة إلى أن هناك كوارث وهذه الكوارث ستكون سوداء على الناسِ بدلالةِ لفظتي ( أوراقاً بيضاً وعود كبريت) . السردُ أتى بلغةٍ مبطنة مضمرة غير ظاهرة, فالكاتبة على دراية بالفكرة التي اختمرت في مخيلتها حتى صاغتها بهذا الحوار الذي دار بين العرافة والشخصية, وإصرار البطلة على فتح مغاليق هذا السر المخبوء يوضح أن الإنسانَ يتوقُ إلى الغدِ ويحاول أن يدركُ من هذا المجهول بعض الشيء ليحوله إلى معرفة, الصراعُ بين المجهول والمعرفة منذ الأزل, ولَعَلَّ تردد وحيرة الراعية بين النزوع نحو الرغبة أو الثبات على الموقف وحفظ الوصية, إذ يقولُ النص: تذكّرت وصيّة العرّافة، لا تذهبي مع شبّان المدينة، ففي الأربع الجهات تيه، الدّائرة مقفلة، وخريطة الدّرب عقيمة، والتّميمة لا تعمل. لكنّها هربت ليلًا، تحمل صمتها وصرّة الهزيمة, الدلائلُ التي يمكنُ أن يستجليها النص, هو القلق, التوجس, المغامرة, هذه الثلاثية التي أضمرها النص بين طيّاته وحاول أو يسبغ عليها لون ضبابي معتم, تماهى خيال الساردة بعيداً وحلّق في أفقٍ عالٍ رحب, القاصة تريد أن تتلاعب في مخيلة القارئ وتتلاعب بالزمان والمكان برؤى سردية أو لعبة سردية, هذا التماهي والدخول في متاهاتٍ كبيرة يجعل القارئ العادي يفقد السيطرة على حبل القص, في حين تثير شهية القارئ النخبوي لأن يعيد القراءة وممارسة هواية اللعب بالإلغاز مع الكاتبة, قراءة النص أضمرت قيماً جمالية تحتاجُ إلى خيالٍ خصب يدخل إلى عمق الكلمة ويسألها عن مضمرها وماذا تقصد بظاهرها, إذ حتى الظاهر في هذه القصة انضمَ إلى المضمر ليعطي قيمة جمالية سردية له, العرافة, الصبي, الغجرية, القرية, كل هذه موحيات إلى أشياءٍ أخرى, يرمز لها السرد برمزٍ مبطن يحمل في داخله فكرة وربما أفكار, القصةُ نزاعٌ وجودي, أو صراعٌ حيوي, الهروبُ من العتمة لدخولِ متاهة, الضياعُ والتيه في محيطٍ لا حدود لها ولا سياج يحدهُ, رسمَ السردُ لنفسهِ طريقاً حداثوياً بعيداً عن المباشرةِ الفجة, بل كانت الرمزية طريقةً لهندسةِ وصوغ السرد بهذا اللون الجديد, القص لم يأخذ شكلاً ثابتاً, بل كان ينزح نحو أوجهٍ عدة من وجوه السرد, تارةً يتخذ اسلوب التتابع أو التسلسل, وتارة اسلوب التناوب وهكذا يأخذ السرد طرائقاً من الصوغ جديدة إذ نجد حتى في الاسلوب التتابعي الذي هو أقدم أساليب السرد تحاول الكاتبة أن تظهره بثوب عصري مواكباً التجديد.

شاهد أيضاً

كاتب أميركي يتحدث عن سبب “انزعاج إدارة بايدن” من السعودية

قال ديفيد إغناتيوس، الكاتب في واشنطن بوست، إن سجن ابن وابنة الضابط السابق في المخابرات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.