إختراقات أدبية في زمن الكورونا

الدكتور محمد أيوب شحيمي:

ألم أقل لك أن المتقاعد يتقاعد لديه كل شيء إلاّ لسانه وقلمه؟ّ!!

تحقيق: رئيس التحرير فؤاد رمضان

الكل في حذر وترقب وخوف، إنه زمن الكورونا..
حاولت إختراق هذه الحالة العالمية لأجالس أحد كبار المثقفين في منطقة مرجعيون من الذين تقاعدوا عن العمل الرسمي (كإستاذ في الجامعة اللبنانية)، والذي لم يقعد (حسب تعبيره) إذ أنه لا يزال يمارس الكتابة.
وقد صدر له مؤخرًا كتاب (حكايا المتقاعدين) وهو المولود العاشر للمؤلف، بالذي كان قد أهداني نسخة منه..

رحب بي الصديق د. محمد أيوب شحيمي، بحرارة طالما تعودتها منه، أشدت بموقع منزله الذي يواجه مطلع الشمس من وراء جبل الشيخ والذي يبدو من أمام المنزل كلوحة طبيعية، بدأت تتكلل بالثلوج البيضاء، تأملت طويلًا، ورحت أربط في ذهني بين أثر المكان على قريحة الكاتب وأفكاره.
لا بد بالسؤال التقليدي المتداول..

*كيف حالك يا صديقي؟

  • الحمد لله، لكنني أعاني من أوجاع مؤلمة، ولا يذهبن بك التفكير في أمراض جسدية معينة. فلتاريخه ما زلت بمنأى منها.

وإذا به يدخل الموضوع من بوابته العريضة

وجعي يا صديقي هو وجع الكثيرين مثلنا، نحس به أو بوطأته ربما أكثر مما يحس به غيرنا. هذا الوجع هو ثلاثي الشعب:
أ- وجع سياسي.
ب – وجع ثقافي.
ج – وجع إجتماعي.
ولا أريد أن أحول لقائي معك إلى محاضرة طويلة أو إلى أطروحات يرددها غيرنا وهو الشغل الشاغل اليوم للناس وللنخب، منهم بالتحديد، لكني سأسلط الضوء على كل واحد من هذه الأوجاع.

1- الوجع السياسي: وسببه الهوة الواسعة بين الشعب ومسؤوليه والإرباك الذي يلف أركان السلطة إلى درجة عجزهم عن تشكيل حكومة – وقد وعدتك – بأن أكتفي بإضاءة بسيطة، وبعناوين عريضة فقط دون الدخول في التفاصيل.

2- الوجع الثقافي: الإبتعاد عن القراءة والإكتفاء بما يردنا من وجبات جاهزة على ما يسمى بـ(وسائل الإتصال الإجتماعي) والتي لا تسمن ولا تغنى من جوع والتي يتبادلها الناس كقوت إضطراري إلزامي لا بد منه، وتذكرت قولًا للكاتبة الراحلة (إميلي نصرالله) التي كانت قد كتبت “أخشى أن نصل إلى زمن لا نجد فيه من يقرأ”.

  • وها قد وصلنا إلى هذا الزمن.

*ضحكت وقلت له وأنا أوافقهم الرأي..
وأحسست بأني قد أثقلت عليه، وعليّ الإستئذان والإنصراف، لكنه أصرَّ علي البقاء، واستأذن لدقائق لأعداد أرجيلة التنبك العجمي التي أعتاد على تدخينها في مثل هذا الوقت عمنذ زمن طويل.
وإذا بالوقت يمضي سريعًا، وكأنه لحظات تتطاير مع سحاب دخان الأرجيلة ورائحة التنبك العجمي يملأ المكان، علمًا بأن الجلسة كانت في الهواء الطلق تحت شجرة الجوز التي بدأت أوراقها تميل إلى الأصفر وتتساقط تدريجيًا.

فيا صديقي: إذا لم يجد الكاتب من سيقرأ فلمن يكتب؟؟
حتى المتحدث إذا لم يجد من المستمعين الناشطين تجاوبًا وحُسنَ إستماع، فلمن يتحدث؟؟
بكل تأكيد، وهذا ما يسعدني، ألم أقل لك: أنني أزود أبنائي يوميًا ببعض الكتابات المختصرة على شكل حكمة أو طرفة أدبية أو مسألة لغوية، حتى خلعوا عليَّ لقبًا هو (سقراط الحرج) وذلك لوجود حرج الصنوبر الذي يقع على مسافة أمتار من بيتنا.

ثم تابع صديقنا وكبيرنا د. شحيمي قوله:
هكذا نتساقط كلنا، الواحد تلو الآخر، والموسم الجديد يعادل الجيل الجديد الذي يبشر بفجر جديد لوطن سليم معافى، نرجو أن يتحقق بإرادة أبنائنا، وأجيالنا الشابة.

*ماذا عن مسيرتكم في ميدان الكتابة، ومدى التناغم بينك وبين القلم؟

  • تذوقي للأدب شعرًا ونثرًا بدأ منذ الطفولة، وأتذكر أنه نشر لي مقال في مجلة مدرسية (الثقافة)، نلت عليه جائزة قيمتها خمس ليرات لبنانية، كنت في الثالثة عشرة من عمري، يومها في مدرسة مرجعيون التكميلية، كانت فرحتي يومذاك لا توصف، حتى أنني ما زلت محتفظًا بهذه الصفحة ضمن الأرشيف، وقد بدا عليها الاصفرار كما هو بادٍ عليَّ اليوم.
    لكنني لا يمكن أن أنكر أنها كانت البذرة الأولى في انتاجي، أكملنا الدراسة وشغلتني المناهج الدراسية المتعددة المواد والهاجس الذي كان ولا يزال هو نيل الشهادة الرسمية.
    تتابعت السنوات والشهادات حتى دخولي الجامعة، فإذا بي أنحو نحوًا آخر هو قسم علم النفس في كلية الآداب ثم إستكمال الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) في نفس المجال، لأعود فأدرس في الجامعة موادًا تتعلق بالفلسفة وعلم النفس وعلم الإجتماع وغيرها.
  • حنيني إلى الأدب لم ينقطع يومًا، قادني هذا الحنين يومها لدراسة الأدب العربي، ونلت الليسانس ثم الماجستير باللغة العربية، يومها عاد لي حبي القديم فكتبتُ في الأدب وعلم الإجتماع، إلى جانب مؤلفات في عالم النفس والتربية واعتمد بعضها في الجامعة ومقررات هذا القسم.

أجد نفسي مع القلم ومع الورق (قبل التكنولوجيا الجديدة) بين صديقين عزيزين يألفانني واألفهما.. أبثهما من وقت لآخر مشاعري وهمومي وألامي، وأنفاسي معششة في الأوراق التي كتبتها قبل أن أصاب بالإرتجاف في يدي، كان خطي جميلًا..
ما لم ينشر من المقالات هو أكثر بكثير مما نشر، حتى عدت فجمعت القليل منها في كتابي الأخير (حكايا المتقاعدين).
لقد هيجت أشجاني يا أستاذ فؤاد، لأستفيض بسرد ذكريات حبيبة عزيزة على قلبي.. ألم أقل لك أن المتقاعد يتقاعد لديه كل شيء إلاّ لسانه وقلمه؟ّ!!

*ةلغة الإنسان هويته، يعب بها عن نفسه، كيف يفسر د. شحيمي هذا الإنكفاء عن اللغة وهل هو فعلًا نتيجة طبيعية للعولمة أم هو أمر مدبر؟

اللغة هي فعلًا أم، واطلاق مصطلح (اللغة الأم) التي تطلقها دول العالم على لغاتها لا تعني فقط أنها اللغة الرسمية التي تعتمدها هذه الدولة في مراسلاتها وكتاباتها، المعنى هو أبعد من ذلك بكثير. اللغة هي الوعاء الذي يستوعب المشاعر والأخلاق والدين والوطنية، بل ومنظومة القيم بكاملها.
أما الإنكفاء عنها فهو فعل شنيع أرتكبه المسؤولون والمعنيون بالعملية التربوية عن قصد أو عن غير قصد، ولا شك بأن العولمة بما لديها من أساليب مشبوهة وراء ذلك، وقد أستجاب لها من يروجون لها.

*وعن المحاضرات في بلاد الإنتشار؟

  • لقد أصدرت كتابًا يحمل عنوان “الإنتشار اللبناني” في البراغواي ضمنته كل هذه النشاطات ورفعت يومها مشروعًا ثقافيًا لأفراد الجاليات في البرازيل والبراغواي ويصلح تطبيقه في جميع بلدان الإنتشار، قدمت هذا المشروع إلى رئيس الحكومة المرحوم رفيق الحريري، وإلى وزيري الخارجية والثقافة، وأنطفأ في الأدراج كغيره من الملفات والمشاريع.

*المنتديات الثقافية التي تنتمي إليها؟

  • إتحاد الكتاب اللبنانيين.
  • حلقة الحوار الثقافي.
  • منتدى حرمون الثقافي (عضو مؤسس).
  • الهيئة الوطنية العليا لدعم منطقة الشريط الحدودي (عضو مؤسس).
  • عضو مؤسس لمركز (حاء – داتا) للدراسات والاحصاء.
  • عضو في جمعية (رابطة الجامعة اللبنانية للإنتشار في العالم).

*ما هو دور علم النفس في الحياة المدرسية؟

لم يكن هناك من يهتم بهذا الدور في المدارس التقليدية، إذ كانوا يعتقدون أن دور علم النفس يقتصر على العيادات النفسية، وعلى المرضى بالتحديد حتى أن بعض مؤسساتنا – وحتى اليوم للأسف، لا تزال تجهيل تفسير مصطلح (التربية) ويجهلون كذلك العلاقة بين التعليم والتربية.
وهذا يحتاج إلى بحث طويل لا يتسع له المجال الآن، وقد نشرت كتابًا يحمل عنوان (دور علم النفس في الحياة المدرسية).

*مسألة التراث؟

أنا متهم كغيري ممن هم في مثل عمرنا بأننا نتعلق بالتراث، هي تهمة نعتز بها، فمن ليس له قديم قد لا يكون له جديد. والتطور الحاصل في المجتمع وهذا أمر بديهي وضروري، لا يجب أن يكون على حساب الجذور التي بدونها قد تذوي شجرة المجتمع وتموت.

*قلت مرت الساعات بسرعة، غادرته وأنا بشوق إلى المزيد من الكلام، فارقته على أمل اللقاء في وقت قريب.

شاهد أيضاً

⚠️قريبا… امرأة تزين ورقة العشرين دولارا

أعاد الرئيس الأمريكي جو بايدن، إحياء خطة إدارة أوباما لاستبدال صورة الرئيس الأمريكي السابع أندرو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.