هل تُغيّر “ضربة القنصلية” المسار النووي في الشرق الأوسط؟

 

  طهران –  علي منتظري 

ما أن ذاع خبر تعرض القنصلية الإيرانية في دمشق لهجوم جوي إسرائيلي، قُتل خلاله إثنان من قادة “قوة القدس” في الحرس الثوري الإيراني، حتى ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في إيران بردود فعل وانتقادات، وذهب مغردون إيرانيون عبر شبكة “إكس” إلى حد الدعوة للخروج من معاهدة انتشار الأسلحة النووية والبدء بتخصيب اليورانيوم بدرجة 90% وصولاً إلى امتلاك القنبلة النووية.

ليس خافياً على أحد في العالم أن إسرائيل مجهزة بالسلاح النووي، إلا أن الدولة العبرية، لم تعترف رسمياً، بامتلاكها مثل هذا السلاح، بل اعتمدت “سياسة الغموض”، التي جلبت لها فوائد عدة. أولاً؛

في العام 1968، أخرجت إسرائيل نفسها من تحت وطأة الضغط الأمريكي للإنضمام إلى معاهدة منع إنتشار الأسلحة النووية. ثانياً؛ راهنت أنها من خلال ذلك لن تفتح الأبواب في المنطقة على مصراعيها للتنافس في مجال امتلاك الأسلحة النووية.

ثالثًا؛ حرّرت إسرائيل نفسها من أية التزامات دولية في مجال الأسلحة النووية. في العام 1968، وبتوافق سري بين رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير ورئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون لوقف الضغط الدولي على إسرائيل بسبب امتلاكها السلاح النووي، وافق نيكسون على السماح لإسرائيل بامتلاك السلاح النووي شريطة عدم الاعتراف بذلك صراحة تفادياً لأي سباق تسلح إقليمي. ومنذ ذلك الحين، استمرت تل أبيب باتباع سياسة الغموض، وتحول موقف الولايات المتحدة إلى موقف داعم للنووي الاسرائيلي.

وعندما قرّر الموظف الفني الإسرائيلي في معمل ديمونا موردخاي فعنونو كشف أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي في العام 1986، لاحقته إسرائيل في الخارج ونصبت له كميناً أعاده إلى تل أبيب حيث حُوكم وسُجن وما زال حتى يومنا هذا قيد الإقامة الجبرية.

وفي أعقاب حرب غزة (طوفان الاقصى)، عندما كان عمياحي إلياهو، وزير التراث الإسرائيلي، يتحدث في برنامج تلفزيوني عن عدم رضاه عن شدة القصف الإسرائيلي على غزة، قال له المذيع: “ما الذي يُرضيك، قنبلة نووية؟” فأجابه على الفور “نعم، هذا أحد الإحتمالات”. لم يُدرك إلياهو أنه كان بكلامه ينقلب على نهج الغموض الذي دام لعقود وأنه كان يعترف رسميًا بامتلاك إسرائيل السلاح النووي، وهذه الكلمات تحمل معنى قانونياً يُمكن استغلاله في المنابر والمنصات الدولية ضد الدولة العبرية.

عمياحي إلياهو الذي كان يتحدث بلغة مجنونة عن وجوب ارتكاب مجازر بحق الشعب الفلسطيني، لم يُدرك أنه رمى كرة نووية في مرمى إسرائيل نفسها، لكن أحداً لم يُحرّك ساكناً في هذا المجال.

وكتب موقع “واللا” بقلم نائب رئيس التحرير (أرئيل شميدورغ)، “وزيرٌ لا طائل له، ألقى بقنبلة نووية على وسائل الإعلام العالمية وفتح جبهة ضد إسرائيل لا توجد لها ضرورة”.

ولسنوات طويلة، تردّد السؤال: هل يُمكن أن تُقدم إسرائيل على استخدام القنبلة النووية ضد أعدائها في المنطقة أم لا؟

من الواضح أن عدم امتثال إسرائيل لقواعد الحرب واستخدامها أسلحة الإبادة الجماعية في قطاع غزة يُبيّن أنها تُعطي لنفسها إجازة مفتوحة في كل زمان وحرب ومكان باستخدام أي وسيلة تراها كفيلة بحماية نفسها، بما في ذلك القنبلة النووية.

الأهم أنه في حال شعرت إسرائيل بالهزيمة أو الضعف والانكسار أمام أي دولة في الشرق الأوسط والعالم، فإن اللجوء إلى استخدام السلاح النووي سعياً إلى تحويل الهزيمة إلى انتصار سيكون خياراً مُتاحًا أمامها.

وبفضل الهجوم الذي شنّته إسرائيل على القنصلية الإيرانية في دمشق أمس (الإثنين)، أثير مجددًا السؤال إياه: ما الذي يمنع إيران أو أية دولة في المنطقة مثل تركيا والسعودية من امتلاك السلاح النووي؟

في إيران، يوجد العديد من المؤيدين لبرنامجها النووي السلمي، ولكن هناك أيضًا مجموعة من المؤيدين المتشددين لبرنامجها النووي العسكري، ويعتقد هذا الفريق الأخير بقوة أنه على إيران امتلاك السلاح النووي، وذلك تحقيقاً لتوازن الردع النووي ومنعاً لاستخدام السلاح النووي من قبل إسرائيل.

الكل في إيران يلتزم الموقف الذي عبّر عنه المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي مراراً بأن الجمهورية الإسلامية وبرغم امتلاكها القدرة على تصنيع السلاح النووي، إلا أنها قرّرت وبكل حزم وانطلاقاً من التعاليم الإسلامية تحريم استخدام مثل هذا السلاح، وقال خامنئي: “لاداعي لننفق الأموال على إنتاج وتخزين سلاح يحرم استخدامه بتاتا”، لكن ثمة مفارقة أننا بدأنا نسمع أصواتاً تخرج إلى العلن تقول بوجوب العودة عن فتوى تحريم حيازة استخدام السلاح النووي، وإصدار حكم بضرورة إنتاجه واستخدامه دفاعاً عن الأمة والدولة. ماذا بعد؟

 

شاهد أيضاً

أخيرا.. العلم يكشف سر أقوى كائن حي في العالم

  ربما تكون الكائنات المسماة بطيئات المشية، هي أكثر الحيوانات غير القابلة للتدمير على وجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *