(البحث عن عظيم)

ـ شوقي مسلماني

المؤرِّخ “ماننغ كلارك” يقول بالبحث عن “إيقاع شجرة الكينا المستوحِدة”. الشاعر “أ. د. هوب” يُفضِّل القول بالبحث عن “البانياب” ـ الكائن الخرافي في الأساطير الأبوريجينيّة الذي كان يعيش في المستنقعات. والإثنان واقعاً يتحدّثان عن توق الأستراليّين إلى رواية أستراليّة عظيمة. “هنري هاندل ريتشاردسون” مؤلِّف رواية “ثروات ريتشرد ماهوني” و”توم كولينز” مؤلِّف رواية “هكذا حياة” كان البعض ينظر إليهما في أوقات مختلفة باعتبارهما يلبيان هذا التوق لكن حين لمع نجم “باتريك وايت” في سماء الأدب في الخمسينات من القرن الفائت تمّ وضع حدّ للتنافس. وأخيراً لاحظ مراقب أنّه عندما حصل “وايت” على جائزة نوبل للآداب سنة 1973 استطاع الأستراليّون أن يرفعوا “رؤوسهم” أمام البريطانيين قائلين: “مت بغيظك يا شكسبير” ـ والكلام دائماً للمحرّر الثقافي في صحيفة “الهيرالد” اليوميّة الأستراليّة ـ الآن البروفسّور “سيمون ديورنغ” من جامعة مالبورن رمى حجراً في بركة القناعات من خلال كتابه الجديد الذي يدّعي فيه أن “وايت” تحوّل إلى رمز أدبي لحاجة أستراليا في وقت ما إلى كاتب عظيم أكثر منه لعبقريّة “وايت” في نثره. وبالنسبة لديورينغ فإنّ وايت صعب أحياناً ومملّ وبحاجة إلى إعادة تقويم على ضوء طبيعته “المعادية لأستراليا” وما يراه نقص في قيمه المعاصرة. محاولة ديورينغ لزعزعة مقام وايت في نظر الأستراليين تثير أسئلة مهمّة جدّاً حول نضج الثقافة الأستراليّة وحول ما إذا أستراليا تريد أو بحاجة لرمز ثقافي وحول ما إذا كان لدى أستراليا كتّاب مؤهّلون متجاوزون لوايت وحول ما إذا كانت فتوى “الإصلاح السياسي” تعني أنّه بإمكاننا بعدُ الحديث عن كتّاب “عظماء”. “لسنا بحاجة للحديث عن مثل هذه الأشياء” تقول “أليزابيث ويبي” البرفسّورة في الأدب الأسترالي من جامعة سيدني ضاحكة مشيرة إلى الشقاق بين الذين يُقارِبون الدراسات الثقافيّة والتقليديّين في الندوة العلميّة الأوستراليّة. “المقاربة التي نتّخذها هنا بالنسبة لمثل هذه الموضوعات” يقول البرفسّور في جامعة “غريفيث” وهو “جيليان ويتلوك” هي بدلاً من التفكير في ما إذا كان الكاتب عظيماً أم لا يجب النظر في الطريقة لتعريف أشكال الكتابة العظيمة. إنّنا ننظر إلى “بيتر كورنيس” تماماً كما ننظر إلى باتريك وايت”. من ناحية الدراسات الثقافيّة فإنّ ويتلوك يشارك ديورينغ والبروفسّور في جامعة موناش “تاري ثريد غولد” وجهة النظر في التعامل مع الكتّاب على أساس التساوي من دون التمييز بين وايت والكتّاب الأستراليين الآخرين المعاصرين أمثال “بيتر كاري”، “دايفيد معلوف”، “توم كينيلي” و”سالي مورغن”. مساهمات وايت في مسيرة الحياة بالنسبة لثريد غولد تعود إلى حضور التأثير الذكوري لمرحلة خاصّة في عمر أستراليا، لكن المرء بحاجة إلى أن يقرأ أيضاً على قدم وساق نواحي متعلِّقة بالأنوثة والأبوريجنال سكّان البلاد الأصليين والمهاجرين. “أي سخف هذا” تردّ بحدّة “دامي ليوني كرامر” المستشارة في جامعة سيدني والشخصيّة البارزة في تعليم الأدب الأسترالي لبضعة عقود من الزمن. وردّاً على الملاحظة التي تفيد بأنّه يمكن النظر إلى الكتّاب بالتساوي فإنّها تقول: “وايت صرحٌ عملاق في الأدب الأسترالي”. وفيما تعتقد كرامر أنّ الأستراليين “تجاوزوا فكرة البحث عن روائي أسترالي “عظيم” وأن “نفوذ وايت واضح في الجيل الثاني من الكتّاب أمثال راندولف سْتو” فإنّ ذلك “لا يعني استحالة تعريف العظمة” وترى كرامر أن العمل “العظيم” ذلك الذي يكشف عن أعماق كونيّة لفهم طبيعة الإنسان وتجاربه، والرواية العظيمة تلك التي كلّما أعدتَ قراءتها تكشّفت عن مزيد من الجديد، أو كلّما شرحتها تبدّت فيها أعماق مختلفة.
[email protected]

شاهد أيضاً

كوسى ابلما مع الارز بالشعيرية

المقادير كيلوغرام كوسى صغيرة الحجم 500غ لحم مفروم بصلة متوسط الحجم، مفرومة “ناعم حبتان بندورة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *