محمد بن علي بن ضعين البادي: الشرق الأوسط: صمود الإنسان في مهب العواصف
4 أسابيع مضت
مقالات و رأي
8 زيارة
محمد بن علي بن ضعين البادي
تشرق شمس الشرق الأوسط كل يوم محملةً بضجيج الأسئلة المعلقة، حيث تنساب الحياة بين ثنايا القلق كما ينساب الرماد بين الأصابع، في بقعة من الأرض لم يعد فيها الاستقرار سوى فاصل قصير بين عاصفتين. في هذا المشهد، تتجلى صورة المنطقة ككيان حي يُصارع من أجل التنفس تحت وطأة صراعات لم تكن يوماً من خيار إنسانها البسيط، بل فُرضت عليه كجزء من قدرٍ تتقاذفه أمواج السياسة الدولية والمصالح العابرة للقارات. إنها حكاية شعوب باتت أحلامها مرهونة بقرارات تُتخذ خلف أبواب مغلقة، وواقعها ميدان تجارب لقياس قدرة الروح البشرية على الصمود أمام هول الفجيعة وتكرار الخيبات.
لقد تحولت المنطقة من منارة للحضارة الإنسانية إلى ساحة كبرى لتصفية الحسابات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحديد والنار، وحيث تُقاس كرامة الشعوب بمدى قدرتها على احتمال الاستنزاف الممنهج. إن ما نعيشه اليوم يتجاوز حدود التوصيف السياسي التقليدي؛ إنه صراع على الوجود والوعي، فبين كل هدنة هشة وأخرى تلوح في الأفق، يظل المواطن هو الشاهد الصامت على ضياع مستقبله تحت وطأة سياسة لم تعد تسعى للبناء بقدر ما باتت تتقن فن الحرق والضغط المستمر على أعصاب الشعوب المنهكة.
العالم من حولنا يراقب بحذر، لكنه لا يدرك أن هذه الأرض لا تحتمل شرارة واحدة إضافية، بل تتوق إلى يدٍ حكيمة تنتشل جذور النار الخامدة تحت الرماد. ورغم سكون الجبهات أحياناً، إلا أن التوتر يظل رابضاً كوحش في الزوايا، وتظل الرسائل العسكرية المتبادلة تخترق سكون ليل الأبرياء، لتؤكد أن السلام الحقيقي ما زال بعيد المنال. إنها الحالة الأكثر خطورة، حالة “لا حرب ولا سلم”، حيث يعيش الجميع على حافة الانفجار، وحيث يمكن لخطأ تقديري واحد أن يشعل فتيل كارثة كونية تتجاوز آثارها حدود الجغرافيا لتطال أمن الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.
إن الثمن الباهظ الذي تدفعه المنطقة لا يُختصر في الخسائر المادية فحسب، بل في ذاك الاستنزاف النفسي الذي يطال الإنسان في صميم يومه، فحين يصبح متابعة نشرات الأخبار أهم من ملاحقة الطموحات الشخصية، يدرك المرء حجم المأساة. إن الحروب الحديثة، بأدواتها الاقتصادية والإعلامية، لم تترك زاوية إلا وأصابتها بالارتجاف، مما جعل الاستقرار حلماً بعيد المنال. وعلى مر التاريخ، أثبتت الوقائع أن كل النزاعات تنتهي في نهاية المطاف بجلوس الفرقاء على طاولة الحوار، لكن المأساة تكمن في الأثمان الباهظة التي تُدفع قبل الوصول إلى تلك اللحظة.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال فسحة الأمل تطل من بين ركام اليأس، حيث يثبت إنسان هذه المنطقة في كل مرة أنه أقوى من آلات الدمار وأبقى من لغة الرصاص. إن القدرة على الاستمرار في البناء رغم الهدم، وفي الحلم رغم الكوابيس، هي المعجزة الحقيقية التي تُبقي نبض الحياة مستمراً في عروق هذه الأرض، وكأن جينات البقاء الحضاري تأبى الاستسلام لمنطق الفوضى والعدم.
إن الحل لا يكمن في استمرار الصراع على النفوذ، بل في العودة إلى الجذور الإنسانية التي تجمع سكان هذا الشرق، والرهان اليوم هو على وعي الشعوب التي أدركت أن استقرارها هو صمام الأمان الوحيد لمستقبل أبنائها. فالمنطقة التي علمت العالم الحرف والقانون، قادرة اليوم -إذا ما توفرت الإرادة الصادقة- على صياغة عقد جديد من السلام القائم على العدل، لتتحول فوهة البركان إلى واحة للنمو، ويستعيد المواطن حقه في أن ينمو ويزدهر، واثقاً بأن شمس الغد لن تحمل معها سوى بشائر الطمأنينة والأمان في عالم أثقلته الصراعات.
كاتب عُماني