يولا خليفة.. بوحُ الحب والوجع

أغنار عواضة

مثلُ نسمةٍ أيلوليةٍ عليلةٍ تعود يولا خليفة إلى الغناء مع الناس وللناس وجُلّهم أصدقاء توافدوا إلى بيت “فارس ولوسيا” في جبيل بضيافة نجوى القصيفي، صاحبة الدار التي تفيض حيوية وطاقة إيجابية. “على شريط القلب” سجّلت يولا صوتها ثم أدارت زر التشغيل لينساب الغناء بلا مقدمات موسيقية طويلة في حديقة بحرية غنّاء.

على متن الحنين أخذتنا يولا في ليلة واحدة إلى الحب والهجرة وبيروت والمرأة. تجذبنا إلى السماع بخفرها وتواضعها وتجربتها التي تشي بالنضج والإمتلاء. لا يهم ما يُردّده النقّاد عن نوعين من الغناء؛ أحدهما يصدر من الرأس والآخر من البطن، ما يهمنا أن يصدر الغناء من الروح لا بل من روح الروح.. وهذا ما يُميّز غناء الفنانة اللبنانية يولا خليفة.

يولا ذات النبرة الهادئة الحنونة في يومياتها تعشق الغناء فيأتيك صوتها مثل خيط حريري متصل بروحها الدفيئة يتهادى في الوصول إلى روح المستمع ليتشرنق السماع وينعقد شغف ينده بالمزيد ثم المزيد.. وهكذا يصلنا شغفها.. لا بل يصيبنا جميعاً حتى الثمالة.

تنغمس يولا في الكلمة واللحن. تتقمصهما. تغني بإحساسها ومزاجها. “تُسلطن”، فنُصبح أسرى خلطتها السحرية الجميلة.

صوتها مدموغ بالحنان؛ مجبول بالحنين؛ يزوّدنا بما كنا نحتاجه في ليلة تقسم الشهر في منتصفه، على ساحل مدينة جبيل. شهر أيلول الخريفي تزدان أشجاره بزهور يولا الفنية برفقة موسيقيين شباب هم زاد خليفة (الإعداد والكيبورد والإيقاع) وأسعد البستاني (عازف العود والبزق) ورودي خداج (عازف الغيتار والباص غيتار). أما ضيف الأمسية فكان إيلي فرح مع نايه الشجية. وكيف ننسى صديقة يولا أستاذة الرقص نادرة عساف التي تمايلت كالفراشة على إيقاع اللوحات الغنائية والموسيقية بكل عفوية وإندماج وإنسجام.

***

أوليست الموسيقى تجعلنا نُعانق ما لا تستطيع ذراعينا عناقه؟ بهذا المعنى كانت أمسية يولا خليفة غنية بالعناق والحب.

ويولا في مجمل مسيرتها الفنية الزاهية والهادئة، تُشعرنا بشيء من الجنون الخفي يُحرّك مسارها وكأنها تترك سفينتها بلا رُبّان.

ومن الواضح أنها كابدت مثل معظم الأمهات لتشق لنفسها درباً وتنتزع حيزاً لا يأخذ من حصة العائلة والأولاد رعاية وإهتماماً وسهراً وحباً يفيض ويتجدد. وكل النساء مضحيات بلا منة ولا تمنين. ربما هذا في صلب التكوين.

***

لا تتبع يولا خليفة إيقاعاً منتظماً حيال إصداراتها الموسيقية ولا في حفلاتها الغنائية.

دائماً تُفاجئنا بحفل من هنا أو أغنية من هناك في المهجر البعيد حيث يشتد الحنين ويستبد بها الشوق للوطن، لجزين وصنوبرها، لبيتها وللبحر الذي تتنشقه من حديقتها. هو الحب كان ويبقى مُحرّضها ومُحرّك روحها الأبدي.

تتحرك يولا بثقة خياراتها واختياراتها الموسيقية. تمد يدها إلى الجيل الشاب من المبدعين الذين تتفق معهم في البحث عن لغة جديدة ودروب جديدة لم يسلكها أحد من قبل. تعمل بتلقائية وعفوية الإلهام والمزاج والشغف. آخر مرة أطلقت فيها مجموعة من الأغنيات من ضمن ألبوم كانت في العام 2015 تحت عنوان «هواك». وبفاصل أربع سنوات أطلت علينا بألبوم جديد بعنوان «في الطريق». وبين هذا وذاك، كانت تروي ظمأ المُحبين بجديدها الفني الذي لا ينقطع.

أما البداية فكانت مع ألبوم “آه” ومن ثم “آه.. وآه”. كما كانت لها مشاركة في «صوتي»، وهو عرض مسرحي تعبيري راقص، جمعها بثريا بغدادي ونادرة عساف وبمشاركة رمزية من نجلها عازف البيانو الفنان المُبدع رامي خليفة. ولو أن الموسيقى تتسع لآه ثالثة لكانت أطلقتها يولا مثل كل الناجيات اللواتي هزمن المرض بعزيمة نادرة وإرادة صلبة.

شاهد أيضاً

تجربة الزعيم عبدالناصر

خميس القطيطي جمال عبدالناصر ورث دولة محتله دولة تفتقد الكثير من عناصر القوة، اضافة الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *