اللحظة الحوثيّة في لبنان


نبيه البرجي

كنا نتمنى، وقد زال جبل النار بين ضفتي الخليج، ألاّ تقتصر دعوة السفير وليد البخاري على النواب السنّة فقط الى دارته. أن يدعو النواب الشيعة أيضاً ـ بعدما كان التقى نواباً من سائر الطوائف ـ كنتيجة لاتفاق السعودية وايران على تأسيس علاقات خلاقة بين البلدين، وتجاوز النزاعات التي أذ أثبتت عبثيتها، كانت لمصلحة القوى التي تولت وقف الزمن في هذه المنطقة.

لكننا لا نزال، بفعل قادتنا، ضحايا القرن التاسع عشر، وحيث للقناصل ادارة الرؤوس، وادارة الطوائف، وان كان هناك من يرى أن وثيقة الطائف، بكل ما أحاط بها، وبكل ما انتهت اليه، انما كرست ثقافة القرون الوسطى.

بالرغم من كل الضجيج الذي يملآ الشاشات، والمنابر، اللبنانية الآن، لا بد من هذا السؤال الساذج: هل أن وصول الحوثيين الى الرياض، وهو ما كان مستحيلاً، جعل المملكة تنتقل من ارسال الاشارات عن بعد الى دفع الوساطات الخاصة باقفال الأزمة الرئاسية في لبنان، كمدخل لتفكيك الأزمات الأخرى التي جعلت لبنان، واللبنانييين، في قعر الزجاجة؟

كم بدا جان ـ ايف لودريان مضحكاً (بالمناسبة توقيت زيارته حدد في ضوء الحدث الحوثي)، بل وبدائياً، حين طلب من أصحاب السعادة النواب تحديد مواصفات رئيس الجمهورية، انطلاقاً من كون هذا الرجل ياتي بالخلاص للبلاد، كما لو أن برنار ايميه، السفير السابق في بيروت ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، لا يدري أن غالبية القوى السياسية تريد رئيساً أما بمواصفات الدجاجة أو بواصفات القهرمانة. على كل صلاحياته جعلت منه كذلك مهما اجتهد أصحاب الفذلكات الدستورية والقانونية…

ليس أصحاب السعادة، والكثيرون منهم دمى متحركة، من يختار، وحتى من ينتخب، صاحب الفخامة. لكل طائفة ولكل قوة سياسية، وحتى لكل كتلة نيابية، مرجعيتها الخارجية، في بلد تتقاطع فيه الرياح، مثلما تتقاطع فيه الحرائق. حين تكون المرجعيات في نزاع في ما بينها يبقى الكرسي الرئاسي شاغراً، وأحياناً كثيرة تبقى الحكومات لتصريف الأعمال.

اذ يبدو المشهد الدولي في ذروة التشابك، كما في ذروة الانهماك في الصراعات الكبرى، دون أي بارقة الى مؤتمر يالطا وشيك، ولا الى مؤتمر هلسنكي وشيك، قد تسنح الظروف للعمل في الظل، والتوافق على رئيس للجمهورية على الأقل للانتظام الدستوري، والانتظام… الطائفي.

على مدى سنوات، دأب الديبلوماسيون الخليجيون على القول ان حل الأزمة اللبنانية في قلب الأزمة اليمنية. الايرانيون دفعوا الحوثييين الى تلقف الوساطة العمانية، وحتى الركوب في طائرة عمانية (حتى لا يقال سيراً على الأقدام)، والتوجه الى الرياض بعدما أكدت المعلومات أن العمانيين تمكنوا من تفكيك الكثير من العوائق القبلية، والسياسية، والمناطقية.

كان على اللبنانيين أن ينتظروا فوق كومة الحطب، الى أن تدق الساعة (أو اللحظة) الحوثية. على كل، هذه هي التراجيديا اللبنانية، بمن دعتهم “الفايننشال تايمز” “حطابو الجمهورية”، ودون أن يكون الكاتب على دراية بـ”حمالة الحطب” في الليتورجيا الاسلامية.

لا رئيس للجمهورية دون تفاهم اقليمي، ولا حكومة. هذه هي ثقافة القناصل. القناصل الكبار في صراعاتهم الكبرى. العيون العرجاء تعزو الأزمة الى المعنى الملتبس للمادة 49 من الدستور، وحيث رئيس الجمهورية محاط بالأسلاك الشائكة، وللمادة 95 التي تحتاج الى جراحة قيصرية للانتقال بالبلاد من الأقبية الطائفية الى الدولة المدنية كخشبة خلاص أخيرة من تلك التراجيديا.

لبنان لم يعد يستطيع أن يتحمل الأيدي الملطخة بالوحول كما الأيدي الملطخة بالدماء، وقد جرّب من هو بمواصفات دونكيشوت في حربه ضد طواحين الهواء، كما جرب من هو بمواصفات من يضع نفسه في المزاد العلني.

ولكن ألم يقل الفرنسيون لنا “ذلك الرئيس الذي تريدونه لا تجدونه حتى عل سطح المريخ”، ولكن، هل علينا القبول بذلك الرئيس الآخر الذي يذهب بنا الى ما بعد، ما بعد، جهنم؟

هذه المرة تكلم جان ـ ايف لودريان بلغة ديكارت لا بلغة مكيافيلي. رئيس بعيد عن ثقافة التفاهة، وعن ثقافة الاجترار، وعن ثقافة التبعية. دعونا نراهن على “اللحظة الحوثية في لبنان”. من هو ذاك (الرئيس) المجهول الذي يقف وراء الباب؟

شاهد أيضاً

وحدة التدخلات الطارئة تدشن مساهمتها لمشاريع المبادرات المجتمعية بمحافظة إب اليمنية من مادتي الاسمنت والديزل ..

تقرير /حميد الطاهري دشنت اليوم وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بوزارة المالية بالتنسيق مع السلطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *