د. جبَّار ماجد البَهادلي: نَزعَةُ التَّلقَّي الدَّرامِي الشِّعريَّةُ في مُدوَّنةِ (بُواباتِ الهَلَعِ), لِريمِ البيَّاتي

 

د. جبَّار ماجد البَهادلي / ناقد وكاتب عراقيّ

تقديـمٌ:

(بُواباتُ الهَلَعِ), أو ما يمكن أنْ نطلقَ عليها – زمكانياً ودلالياً- محطَّاتِ الموت الغيبي الروحية لِمَا بعد الحياة الدنيوية, هي عنوان فنِّي انحرافي انزياحي دالٌ على معانيه الفكرية والفلسفية الدلالية القريبة والبعيدة. ومؤدِّياً في الوقت ذاته وظائفه العنوانية الأربع التي وصفها جيرار جينيت, وأعني بها الوظيفة,(التعينية, والوصفية, والإغرائية والإيحائية)؛ كونها عملاً فنيَّاً جمالياً لمدوَّنة نصوصٍ شعريةٍ تميل في تلقيها الذهني إلى دراما التَّمَسرُح. كُتبتْ تراتيل هذه المصفوفة الشعرية بحسٍّ درامِّيٍ ترابطيٍ عالٍ, متواشج الأفكار, ومتداخل الرؤى في اثني عشرَ نشيداً شعرياً حكائياً متتالياً.

اتَّحدت هذه الأناشيد الكونية المتراتبة في مجموعة لونية حداثوية من ألوان تَعدُّد الشعر العربي الحديث والمعاصر, جنس شعر التفعيلة ذي الأوزان الشعرية والقوافي التعدُّدية المطلقة والمقيَّدة التي تمنح الشاعر الحداثوي مِسَاحةً كبيرةً وواسعةً من حريَّة التعبير الفكري والجمالي بخلاف ما تهبه مِساحة الشعر التقليدي من قيود خليلية تعبيرية محدودة الأُفق, والتي يمثل فيها كلُّ بيت شعري وحدةً موضوعيةً قائمةً بذاتها في إطارها الشعري المورث, في حين بالمقابل تمنحكَ القصيدة الحداثوية, قصيدة التفعيلة الحُرَّة, وقصيدة النثر الشعرية وحدة موضوعية متكاملة الرؤى.

تمثِّلُ أناشيدُ (بُواباتُ الهلعِ), المجموعة الشعرية الصادرة بطبعتها الأولى عام (2023م) عن اتَّحاد الكُتَّاب العرب بدمشق- سوريَّة, مُحاولةً إجرائيةً فكريةً روحيَّةً مِقدَامةً وباسلةً لجدلية ثنائية (الدنيا والآخرة),وبالأخص حياة ما بعد الموت الآخروية (غيبيات الموت)الفكرة التي شغلت الكاتبة.

لا شكَّ أنَّ هذه المدوَّنة الدَّرامية الشعرية الصورية نُسِجَتْ خيوطها الفنيَّة وتكاملت وحداتها الموضوعية المتعدِّدة في وحدة عضوية كبرى بطريقةٍ شعريةٍ عصريةٍ إبداعيةٍ تجدُّديةٍ حديثةٍ بعيدةٍ عن فلسفة الروح الدينية والعقائدية السياقية المعروفة في طيَّات الكتب وأدبياتها، والأديان السماويَّة الأخرى, على الرغم من تماهيها وتناصَّها معها. وهي لا تتقاطع فلسفياً وعقائدياً مع أفكار ما أقرَّته شرائع الفكر الديني الإسلامي ورجالاته ومرجعياته ومصادره الأوليَّة المعتمدة وتوجُّهاتها ورؤاها وتطلُّعاتها.

وحقيقة الأمر أنَّ هذه المصفوفة الدرامية النزعة لا تمتُّ إطلاقاً بصلةٍ إلى شرائع دينهم الرُّوحية, ولا تمسُّ أبداً أبجديات سُننِ مذاهبهم الفكرية والعقائدية, بل هي محاولة إجرائية فكرية روحيَّة لإضاءاتٍ فنيَّةٍ جماليةٍ إبداعيةٍ بنزعة شعرية صورية درامية حركية بصرية متوثبة. تكشف بصدقٍ عن تجربة فِعلِيَّات الإنسان الدنيوية, وتجلو أفكاره الحياتية الدنيوية العابرة والمستقرَّة التي مرَّ بها كائناً حيوياً فاعلاً بدورته الحياتية في إعمار الأرض وتخريبها والخروج منا بهذا الوعي الجمعي.

المُدوَّنةُ الدَّراميَّةُ الشِّعريَّةُ

حينَ نُجيلُ البحث والتأمُّل العميق في صفحات مدوَّنة (بُواباتُ الهَلعِ) ونصوصها التي استمرَّ بها العمل الإنتاجي التوظيفي أربعة أعوام ثقالٍ متتاليةٍ من عُمرِ زمن كاتبتها السوريَّة المُؤلِّفة الشاعرة السيِّدة ريم البيَّاتي التي تكشف لنا طبيعة محتوياتها الداخلية التي تضمَّنت اثني عشر نشيداً شعريَّاً وتقديماً نثرياً. وكلُّ نشيدٍ منها يعدُّ مرفأً زمانياً ومكانياً من مرافئ حياة الإنسان العمرية الكونية المتعاقبة ومحطَّاتها, وما أحدث فيها من عطبٍ وتلفٍ لتلك الحياة, ولا سيَّما محطَّة(الموت) الافتراضية التي اشتغلت عليها الكاتبة ريمُ البيَّاتي في رسم معمارية خطَّة هندستها الشعرية الدرامية وتأثيثها.

يمثِّل (المُلقيُّ) الذي هو بطبيعة الحال (الإنسان) بطل المدوِّنة الدرامية (بُواباتُ الهَلَعِ), وشريان عصب مُحرِّكها الدينامي الفعلي القصصيِّ المُمَسرَح المتواصل في تَغَلغُلِه عبر البوابات مع شريكه الفتى الشجاع الحُلُم (وَردان) الشاهد الحيّ والكائن الطفولي الذي دخل بتجربة عدلٍ وإنصاف ومساواة فريدةٍ إلى العالم الثاني عالم الأموات(الغيبي) الآخر؛ لكي يكون سَاقاً أو قَدَمَاً بديلةً عن قَدَمِ والده التي بُتِرَتْ أو فُقِدَتْ بتفجير وحشي إرهابي لا إنساني آثمٍ شريرٍ حين ذهب يجلب له (كَمنجة).

إنَّ مثل آفاق هذا العمل الإنساني الروحي وتداعياته؛ الحالم بتعويض المفقود العضوي جعل وَردان كاتباً للعدالة وسفيراً لمحطَّات(بُواباتُ الهَلعِ)؛ لِتُورقَ فيها من جديدٍ أماراتُ المَحبَّةِ وَتُعمِّرَ فيها شآبيب الأمل الهامي, ويغدو الحُلُمُ البعيدُ مُحقَّقاً على ساقين اثنتينِ لا على ساقٍ واحدةٍ. وبذلك فإنَّ هذه الملحمة الدرامية الشعرية تُعرِّي حقيقة الإنسان, وتكشف بُعْدَ زيفه ونواياه الخفيَّة المضمرة, وتنصف في الوقت ذاته مظلومية حقِّ المرأة؛ ضحية تلك الحروب والرهانات الخاسرة.

وكلُّ نشيد من أناشيد هذه المجموعة الشعرية وَظَّفتْ الشاعرة ريم البيَّاتي نصوصَهُ الدلاليةَ وفق نظام شعر التفعيلة الحديث -كما مرَّ بنا سلفاً- مُعتمدةً في بناء تأثيثها الشعري الحواري على وحدات موسيقى الشعر وتعدُّد قوافيه الخارجية في تصوير مشاهدها الإنسانية المتراتبة. فتراها تارةً في نزعتها الدَّرامية متخذةً من تجليات السَّرد القصصي سبيلاً ما استطاعت في تنظيم مسلكها الشعري الدرامي البصري المرئي, وتارةً أخرى تعتمد لُغويَّاً وفنيَّاً على أُسلوب الحوار القصصي التساؤلي القصير في مسرحة مشاهدها الدرامية شعرياً, وفي تنظيم مقاطعها الشعرية الإنشادية وتأثيثها لهذه البوابات من خلال نسج واقعة الحدث الموضوعية فنيَّاً والإمساك بأذيال تلابيبها الفكرية والجمالية.

لقد عمدت الشاعرة البيَّاتي في بداية مُفتتح كلِّ نشيد هلعٍ من أناشيد بواباتها العددية الاثنتي عشرَ الروحيَّة أنْ تضعَ مُستهلاً أو مُفتتحاً نثرياً قصيراً مكثَّفاً بمنزلة عتبةٍ أو مهادٍ تمهيدي قصصي موجزٍ موازٍ لنصِّ كلٍ نشيد شعري. وكأنَّ هذا السياق التركيبي لمُقدِّمات دراما الجمل الشعرية يمثلُ نسقاً فنيَّاً جماليَّاً ظاهراً أو مضمراً, ويعدُّ في الوقت ذاته بوابةَ عتبةٍ خارجيةٍ ينفذ منها نظر المتلقَّي أو القارئ النوعي للدخول إلى عوالم النصِّ الكونية، وآفاقه الداخلية الرحبة كي يستغور فكرةَ أعماقها.

فتساعده هذه المقدِّمات الاستهلالية على فكِّ شفرات النصِّ اللغويَّة والدلالية التي كُتِبتْ بلغة ما يُسمَّى نقديَّاً بمصطلح(السهلُ المُمتنع) الشائق للنفس الداخلية, والذي يستفزُّ المتلقِّي ويحضُّه في نزعته الدرامية على الاستمرار والتواصل معه فكرياً وجمالياً. أقولُ في توصيفه – جازماً- بلغةِ السهل الواضح المُيسَّر الذي صِيغت فيه مقاطع النصوص الشعرية ليس الغرضُ من ذلكَ, هو التقليل من أهمية شأن المدوَّنة الإبداعية لُغوياً وفنيَّاً, بل؛ لأنَّ نصوص مدوَّنة (بُواباتُ الهلعِ) بُنيتْ أساسات أُسِّهَا الفكرية على رؤيةٍ فلسفيةٍ فكريةٍ روحيَّةٍ جماليةٍ محضةٍ بعيدةٍ عن لُغة وإطار الفلسفة العقلية الاجهادية المتنامية الآفاق العقلية البعيدة الرؤى. لهذا جاءت صور المشاهد البواباتية بلغةٍ تعبيريةٍ جماليةٍ مُيسَّرةٍ لا كَدَّ أو تعب أو إجهاد فيها لفكر القارئ؛ للتقليل من أعباء وغلواء الأفكار العقلية الخالصة المقاصد البعيدة؛ تلك التي تحتاج إلى وقفاتٍ وتأمُّلاتٍ وجهدٍ كبيرٍ عالٍ في الكشف عن آفاق ورؤى ماهيتها وتفسير طبيعة لغة مرموزات نصوصها وتشاكلات تناصاتها المتداخلة.

والمتأمِّل الفاحص بتؤدةٍ لهذه المقدِّمات النثرية الموازية لأناشيد البوابات الهلعة التي استهلت بها الكاتبة وقائع أحداث أناشيدها, سيلحظُ أنَّها جاءت عبارة عن مُلخَّصاتٍ حكائية قصصية توضيحية عالية التكثيف وبلغةٍ شعريةٍ موجزةٍ؛ لبيان الرؤية الروحية البَصريَّة لكلِّ نشيدٍ من أناشيد العمل الشعري الدرامي المتلاحم. ولعلَّ أغلب موضوعاتها الفكرية تخصُّ الإنسان وتأخذ بيده, وتكشف بمسبارها الضوئي له الطريقَ الموصل إلى جادة(الموت) عبر طرق هذه البوابات المصيرية الملتهبة سخونة بالرعب, وغير المعروفة نتائج مسالكها الكونية غيبياً؛ كونها خارج إرادة الإنسان.

ولعلَّ أكثر هذه الموجزات العنوانية الافتتاحية بلاغةً وحكمةً وثراءً وتوجيهاً ونُصحاً إرشادياً مؤثِّراً في شخصية(المُلقِّيِّ) الذي ترك اسمه عالقاً في الدنيا واختار طريق الآخرة الذي هو طريق (الموت)ظانَّاً الآخرة طريقاً مُنجياً لحياة أخرى آمنة. تلك هي الافتتاحية الأولى التي حفل بها النشيد الأول الذي جاء تحت عنوانٍ دالٍ على معانيه الكونية الزمنية (حِينَمَا يَقتربُ زَمنُ الفَزَعِ). العنوان الذي تروي فيه الكاتبة ريم البيَّاتي محتواه النصِّي بصورٍ نثريةٍ وانزياحاتٍ فنيَّةٍ روحيَّةٍ مؤثِّرةٍ قائلةً:

((يُنقلُ المُوتَى مِنَ الدًّنيَا عَلَى مَحَفَّةٍ تَحملُها الطُيُورُ, وَيُلقَى بِهم تَحتَ النَّخلةِ الَّتِي تَلِدُ سَعفَاً يَحمِلُ اِسمَ المَيِّتِ الَّذِي يُلقَى بِهِ تَحتَها, تَدورُ المَحفَّةُ بِالموتَى, وَفِي كُلِّ دَورةٍ تَتَرَاءى لَهُم مَرحلةٌ مِنْ مَراحلِ أعمارِهم. يَأتِي الحَارِسُ المُوكَّلُ فِينزعُ عَنهم الأكفانَ, وَيُخرجُ القُطنَ مِنْ أفواهِهُم كَي يَتجرَّدُوا مِنْ كُلِ أمتعةِ الدُّنيَا, وَيُلبسُهُم رِداءَ الآخرةِ, مِنْ أَجلِ عُبورِ البَوابةِ الأُولَى. جَاءَ المَلَقِّيُّ الَّذي تَركَ اسمَهُ فِي الدُّنيا, وَلَبِسَ صِفاتِهِ مُنذُ الأزلِ إلَى الأبدِ, إنَّهُ الإنسانُ بِكلِّ تَناقضاتِهِ)). (بوابات الهلع,. ص 7).

واللَّافت للنظر جدَّاً في كتاب(بُوابَاتُ الهِلعِ) النصيَّة أنَّ المؤلِّفة السيِّدة البيَّاتي وضعت قبل عتبة العنوان الرئيسة مقدِّمةً فكريَّةً على شكل مقطوعةٍ شعريةٍ موزونةٍ مقفاةٍ بقافية نونية مقيَّدة ساكنة الحركة تكشف فيها اللِّثام عن سرِّ فلسفة نزعتها الدرامية الشعرية في موضوعة(الموت), وعن حقيقته المنشودة التي جعلت من بطل هذه الملحمة الشعرية أن يلبس رداءَ معطفه الغيبي, ويجلد ذاته الإنسانية الأمَّارة بالسوء وفعل الخراب جلداً روحياً إصلاحياً؛ لِيُكَفِّرَ عن ذنوبه وأفعاله الكثيرة, ويضيء النفس بالحقيقة المُزهرة الموعودة بالوفاء والآمال الصافية والتطلُّعات النقيَّة التي تقهر مساغب الجوع وتتصدَّى لعوادي الزمن الطارئة, وتحرف مسارات الخونة والمتخاذلين من حكَّام الأرض وَتُجبرهم على قبول تلك الحقيقة التي تسمو بصرياً بحركتها الإنسانية الحياتية المجرَّدة.

وقد جاء في هذه المقدَّمة الزمكانية تراتيل الشاعرة الفكرية وتساؤلاتها الجمَّة عن فلسفة الموت والوجود والعدم, فلسفة الثابت الحاضر والمتحوِّل الغيبي الآخر لِأُس الدَّراما الشعرية التي جسَّدت فعلها حركياً وتمثيلياً مُحاكياً واقعة الحال الموضوعية بهذا النفس الشعري المتموسق إنشاده إيقاعياً:

وَحينَ مُوتانَا مِنَ الأجداثِ يَومَاً يَنسلونْ

سَيَسأَلُونْ

يَا رَبِّ مَا بِعنَا حَليبَ المُرضعاتِ

وَلَا نَدبنَا غَيرَ مُوتَانَا

وَلَا كُنَّا بِرُغمِ الجُوعِ قَومَاً يَمنعونْ

فَلِمَ دَوابُ الأَرضِ تَنخرُ جَوفَ مَنسَاةٍ

تَهُشُّ بِها عَلَى القَهرِ السُنُونْ ؟

وَلِمَ نَكُونْ …

أَعنابَ دَاليةِ الوَفَاءِ

بِقَبوِ قَوَّادٍ خَؤُونْ ؟ (بوابات الهلع, ص2)

فالجمل الشعرية (مَا بِعنَا…), (وَلَا نَدَبنَا…), (وَلَا كُنَّا…) بأفعالها الماضية وأدواتها النافية, فضلاً عن تعضيدها بجمل شعرية استفهامية توقُّعيَّةٍ مثل(لِمَ دوابُ الأرضِ ؟), وَ(لِمَ نكونْ ؟) قدا أسهمت جميعاً إسهاماً كبيراً في تفعيل قصديَّة النصِّ الدلالية الرافضة للفساد ومنحه بعداً فلسفيَّاً وجمالياً ثرَّاً.

(بُواباتُ الهَلَعِ), وَنزعةُ التَّلقِّي الدَّراميَّةِ

تعاملت الكاتبة ريم البيَّاتي في مدونتها أناشيد(بُواباتُ الهَلعِ) مع بنيتها الموسيقية والإيقاعية الصوتية ولا سِيَّما نصُّ مستواها (الخارجي والداخلي), ومع واقع عناصر القصيدة الجديدة من لفظٍ وصورٍ ومعنىً وتكثيفٍ وإيجازٍ لُغويٍ ومفارقةٍ ضوئية وانتقالٍ انزياحيٍ فنَّيٍ مفاجئٍ تعاملاً إبداعياً جديداً يختلف عن سمتِ ووقع فنيَّة عناصر رتابة القصيدة التقليدية المعروفة للقارئ العادي والنابه.

ويمكن أنَّ نعلِّل أسباب قصدية ذلك التعامل بغلبة النزعة الدَّرامية, وتَسيُّد الروح الفكرية الفلسفية الموضوعية على عناصر الفنِّ الشِّعري المعاصر لهذه المدوَّنة. والحقيقة أنَّ (بُواباتِ الهَلعِ) ما هيَ إلَّا قصيدةُ مقاطع إنشاديةٍ ملحميةٍ طويلةٍ, تعدَّدت تتابعياً في مقاطعها صورُ أنفاسِ الشاعرةِ ولوحاتُ رؤاها التجريبية وتشكُلاتها البّصريَّة والفنيَّة والجمالية الدرامية لواقعة الحدث بؤرة الموضوعية.

واستطاعت البيَّاتي من خلال هذه الروح الإنشادية المتواترة بوابياً أنْ تُمسكَ بأطراف روافدها الفكرية ونسيج وحدتها الموضوعية إمساكاً ترابطياً محكماً عبر هذه التحوِّلات الفكرية لجدلية (الموت) التي أسَّست لها الشاعرة بنيوياً, واشتغلت عليها بطريقة فنيَّةٍ موضوعية حداثوية معصرنة في أسلوبية سبكِها اللُّغوي وحبكِها الدلالي. وقد استمرَّت الشاعرة بهذا النهج التجريبي الحثيث المتواصل حتَّى تكامل مستوى القصيدة الدرامية وطفح كيل سطحها العلوي في الظهور مقترباً من شكل إطارٍ مسرحيٍ مُشعرَنٍ متكاملٍ في رؤيته البصرية وصورته الحركية لهذه النزعة الدراميَّة.

ويعدُّ هذا النسيج الشعري الدرامي الحواري لهذه المدونة الفكرية تجديداً وفتحاً مهمَّاً لعناصر الشعرية المعاصرة بكلِّ ألوانها وتفاعلاتها الحداثوية, مما يؤكِّد علاقة الشعر المعاصر بالدراما علاقةً موضوعيةً وثيقةً لا تنفكُّ عُراها؛ لتجعلَ منه شعراً عميقاً ذا نزعةٍ دراميةٍ رائعةٍ الخُطى. هذا الهجس الأُسري للشعريَّةِ الدراميَّة, هو ما أكَّده الشاعر الإنكليزي(ت .س. إليوت) من أنَّ العوامل التي تجعل من الشعر شعراً مُذهلاً وَمُدهشاً ورائعاً هي العوامل ذاتها التي تجعل منه بحقٍّ شعراً درامياً ممسرحاً نافذاً ومُدهشاً للمتلقِّي والقاري في تصميم لوحاته الفنيَّة وصور معماريته التكوينية.

إنَّ انحراف الشاعرة ريم البيَّاتي الشديد, وميلها القَصدي اللَّافت في اتساق مجموعتها الشعرية هذه إلى النزعة الدراميَّة الشعرية المعاصرة, وفق هذا النَفَسِ الشعري التلاحمي الطويل المتدفق, يؤكِّد بكل موضوعيةٍ انتفاء الحاجة إلى النزعة التقليدية الغنائية الشعرية التي كانت سائدةً تُسيطر على ناصية المشهد الشعري العربي ردحاً طويلاً من الزمن. وهذا في ذاته يُعدُّ تحوّلاً جذرياً سريعاً, وتجديداً فنيَّاً لافتاً على جسد بنية القصيدة الغنائية الذاتية التي شغلت لُبابَ الشعراء.

ويعدُّ هذا الفتح التحوِّلي أيضاً انتقالاً مظهرياً مباشراً إلى بنية القصيدة الشعرية العربية الدراميَّة التي تحتاج آلياتها الإنتاجية وأدواتها الاشتراطية اللُّغوية إلى جُهد كبير وإقدام أدبيَّ ومثابرة فنيَّة خلاقة في تعميد جسدها الضافي بماء النزعة الدراميَّة, وإحياء نسغ روحها وإضاءة وهج حركتها البَصريَّة التي تُمثِّل حركة الواقع الراهن المعيش من خلال شيءٍ راسخٍ من البناء الحواري الفنِّي المسرحي, ورُبَّما شيء من استبطان الذات الشاعرية المهووسة بهذا اللَّون من تحوّلات الشعرية.

ومن خلال قراءتنا الإجرائية التأملية النوعية الفاحصة لنصوص أناشيد شعرية(بَواباتُ الهِلعِ), والوقوف على نقاط تمظهراتها الضوئية ومستوياتها الأسلوبية الفنيَّة والجماليَّة التعبيريَّة, يتَّضح جليَّاً لنا الفرق بين قواعد الفنِّ الشعري الدِّرامي الدال عنوانه الوصفي على اسمه ورسمه من أنَّه يصبُّ إنتاجياً في إطار محوريٍ أو قالبٍ درامي بحتيّ خالص في رؤاه التكوينية, وبين عالم الشعر التقليدي الذي يَنماز شكلياً بسيطرة ركائز إيقاعه الموسيقي الوزني وقافيته الشعرية الموحَّدة الثابتة.

ومثل هذا النوع الأول من لُغة الشعر الدِّرامي الذي لجأت الشاعرة البيَّاتي إليه في توظيف وإنتاج مدونتها الشعرية على الرُّغم من كونه شعراً دراميَّاً في نزعته الفنيَّة والإبداعيَّة, فإنَّهُ لا يصلحُ تماماً لحضورية العرض الفنِّي التمثيلي المسرحي الرؤيوي الحواري المباشر مع جمهور المتلقِّين, وإنَّما يصلح في عرض حقيقته الفكرية والفنيَّة المنغَّمة للقراءة والتلقِّي الذهني عبر آلية هذا الإنشاد.

ويبدو أنَّ المُسوغَ النقديَّ يُشير إلى أنَّ الشعر كما هو مفهوم من خلال سياقاته البنائية الرتيبة, وأعني إيقاعاته الصوتية ووحدات تفعيلاته الموسيقية وتقفياته الخارجية قد لا ينتج تفاعلاً تأثيرياً مذهلاً صادماً, وَيُثيرُ عنصراً تشويقياً مؤثِّراً في المتلقِّي بالمقارنة مع ما يحدث لنظيره العرض المسرحي التمثيلي الذي يتَّخذ من إثارة فعل المثير(التشويقي)عنصراً استجابياً أساسياً من عناصره المهمَّة التي يعتمد عليها في إثارة فكر المتلقِّي، واستمالته نفسياً، والاستحواذ على وعي عقله وبصره.

هذا هو الفارق الرئيس بين الشعر الموزون الذي يُقرَأُ بنبرةٍ إيقاعيةٍ تموسقيةٍ منبريةٍ تلفت ذهن المتلقِّي أو القارئ في توقيعات تدفقات مواضعة الإنشادية, وبين الشعر الدَّرامي الذي تعتمد نزعته الفنيَّة على خطِّ الصورة البَصرية المرئية الحركية, والصورة الصوتية الجاذبة التي قد يحصل معها الشرود الذهني للمتلقِّي أو السامع؛ كونه شكلاً قصدياً لذاته ولا يشترط فيه أن يتلاحم مع مضمون الحدث الواقعي.و من هنا تبدو الهُوةُ السَّحيقةُ بين هذينِ الجنسينِ من الشعر الحديث, لنقرأ هذا النص:

جَمُدَ المُتلقيُّ, وَراحَ يُجيلُ الطّرفَ, وَيَبتسمُ يَنتظرُ البُشرَى.

أَينَ الوِلدانُ؟

أَينَ دِنَانُ الخَمرِ؟

أَنهارَ الخَمرِ ؟

وَأينَ الحُوريَاتٌ؟

مَا بَالُ الجَنَّةِ مُوحِشَة؟!

هَلْ تِلكَ المَرأةُ ذَاتَ المِئزَرِ حُوريَّةٌ؟

هَلْ ذَاكَ الطِّفلُ بلِا سَاقينِ مِنَ الوِلدَانِ؟

هَل خَلفَ البَابِ يَطوفُ السَّاقِيّ بِكاساتِ البَلورِ تَفيضُ الأنهارُ بخَمْرٍ.

تَتَمايلُ حُورياتٌ لَا عَينٌ رَأَتْ…(بوابات الهلع, ص 17 )

إنَّ مَنْ يجيل الطرف متأملاً بأناةٍ وصبرٍ دقيقينِ تدفقاتِ هذه المقطوعة الشعرية المتتالية, سيشعرُ مُباشرةً أنَّ الشاعرة البيَّاتي اعتمدت في بناء تركيبها الجُملي الشعري على أسلوب الحوار التساؤلي الدرامي الحدثي القصير بين شخصياتها الفاعلية وأدواتها الحركية متخذةً في مركز حوارها من تكرار أسلوب الاستفهام سبعِ مَرَاتٍ من خلال تكرار الأداتين الاسمية والحرفية(أينَ, وهَلْ),كُلُّ أداةٍ تكرَّرتْ ثلاثَ مرَّاتٍ متواليةٍ, فضلاً عن الأداة السابعة(ما) الاستفهامية التي تساءلت بها عن الجنَّة.

الجمل الاستفهامية الحوارية السبع تمثَّل بأدواتها نقطة انطلاقِ مُحكاةٍ تَساؤليَّةٍ دَراميةٍ فكريَّةٍ عن (الجنَّةِ),وعن ما كان موعوداً به المؤمن الحقيقي من حياة ما بعد الموت, حياة الآخرة قطاف الدنيا. فألفاظ مثل:( البُشرى،المأوى, والوِلدانُ, ودَنانُ الخمرِ, وأَنهارُ الخَمرِ, وَالجنَّةُ, والحُوريَّاتُ), ما هي إلَّا مُغريَاتٌ رُوحيةٌ وماديةٌ جسديةٌ تَترجَّى النفوس الإنسانية الدنيوية بلوغها وتحقيقها في الحياة الأخروية ما بعد حقيقة(الموت) التي هي ثيمة عمل هذه البوابات الهلعة في شخصياتها الحركية.

وكَأنَّي بريم البيَّاتي في تجليات مقطعها الدرامي هذا تتماهى فكرياً, وتتناصّ تناصاً دينياً جمالياً مع نصوص آيات القرآن الكريم الكثيرة التي وعدَ الله بها الإنسانَ من عباده المؤمنين بالجنَّة الأبدية؛ ولكن جنَّة البياتي التي اتخذتها لشخصياتها الدرامية جنَةً مُغايرة لِجنَّة اللهِ, هي جنة كشف المستور الغيبي لحقيقه إنسانها, ورفع حُجُب الغطاء المُظلل عنه, جنَّة موتٍ لا يتحقَّق فيها غير العدل. فالجنة التي وطأتْهَا أقدام شخوص البيَّاتي موحشة البشرى, فلا أنهار خمرٍ فيها, ولا لذةٌ فيها, ولا نساء حوريات, ولا ولدان مخلدون بسيقان أرجل متكاملة. إنَّها جنة الإنصاف التي تُعرِّي زيف الحياة الراهنة وتقدِّس روحانية إصلاح الحياة الأبدية المأوى الحقيقي المؤجَّل لفلسفة الموت.

من خلال إثارة هذا الوعي الشعري المتراتب الذي لا ينطلق من ذات الشاعرة الفردية فحسب, بل ينطلق من الذات الجمعية التي تجسد فعلها في دراميَّة الحركة الشعرية المُمَسرَحة نحوَ العالمية التي تعدُّ مُعادلاً موضوعياً فاعلاً لذات المبدعة في علاقتها بالذات الجمعية الكليَّة. فالشاعرة تمزج بين الاثنين بمهارةٍ فنيةٍ واعيةٍ لِتنتج لنا شيئاً من البناء الشعري المسرحي على أسسٍ فنيَّةٍ رصينةٍ:

وَرْدانُ اِبنُ السَّفحِ, وَاِبنُ القِمِم

حَيثُ الأشجارُ تَمُدُّ يدَهَا

تُمشِّطُ شَعرَ الغَيمِ

وَحَيثُ الأطيارْ

تُعَشِشُ فِي حُضن ِالقَمَرِ

وَتَصيرُ النَّجماتُ لَآلَئَ عِقْدٍ

تَزدانُ عَلَى جِيدِ السَّهرِ,

وَرْدَانُ كَانَ صَديقَ النَبعِ

وَكَانَ رَفيقَ الغَابةِ والأطيَارْ

يَركضُ فٍي السَّفحِ وَيَحملُ مِزمَارَاً

تَأتيهُ كُلُّ طُيُورِ البَّرِ, وَكلُّ المَخلوقاتِ

تِلكَ المَولودةُ فِي الغَاباتِ

وَرْدَانُ, كَانَ يُريدُ (كَمنجَةً)

كَي يَعزفَ لِلأطفالِ أَناشيدَ

تَحملُهَا عَلَى جَنحِ الأَسحارِ حَمامَتُهُ

وَتُسافِرُ عَبرَ الأَقطارْ (بوابات الهلع, ص, 30, 31)

هذه القصيدة على الرغم مما فيها من غنائية شعرية طاغية واعتمادها فنيَّاً على ما أنتجته من مؤثِّرات الصور الشعرية والانحرافات الجمالية الأسلوبية في فنيَّة التعبير الشعري, فقد أسهمت الشاعرة ريم البيَّاتي إسهاماً كبيراً بتعدُّد رمزية الأصوات الشعرية فيها, وتوزيع أصواتها وأنسنتها بعناصر الطبيعة الثابتة, سواء أكانت هذه الأصوات بشريَّةً أو نباتيَّة حيَّةً أو ماديةً جماديةً غير حيّةٍ.

فقد حرَّكت الشاعرة ريم البيَّاتي الجماداتِ السواكنَ, وسكَّنتْ الحيواتِ المُتحركةَ من خلال هذه التعددية الحركية التي منحت النصَّ شيئاً من الروح الدَّرامية, وجعلت من هذه الغنائية يداً عُليا على درامية التمثيل الشعري للموجودات الحركية وغير الحركية غنائياً وبصرياً مُتحرِّكاً في تحقيق حُلُمِ الفتى الطفولي وَردَان الذي يَحلُمُ باقتناء(كمنجةٍ) يجلبها له أبوه من السوق كحمامة سلام تُسافر عبر الأقطار. وكأني بهذه التراتيل الصورية الشعرية المتعاضدة التي تجسِّد واقعة الحدث الحُلمية أرى حضوراً بصرياً وغياباً مفاجئاً لتلك الشخصيات الفاعلية التي تمثِّل حركيةَ المشهد الشعري عبر حكايات(بُواباتُ الهَلَعِ) التي رسمت صوراً ولوحاتٍ إنسانيةً فريدةً لمشاهد هذه المَلحمة الدرامية.

لم يكن لريم البيَّاتي فضيلة الجرأة ومُبادَرَة الإقدام ونافلة اليد الطُّولى على الاقتراب من مجسَّات أثير الشعر الدِّرامي, لولا أنَّ الشاعرة الكاتبة تمتلك مَلكةَ الموهبة والتلقِّي الثقافي والإمكانية والقدرة الفذَّة والمهارة الفنيَّة العالية على فكِّ رموز البحور الشعرية والتلاعب بوحداتها التفعيلية وإعادة ترتيبها وصياغتها من جديد, وتطويع الحوار الشعري وتوظيفه لرسم الشخصيات الحركية الفاعلة.

ويتناهى إلى ظنَّي واعتقادي كثيراً أنَّ الشاعرة البيَّاتي مؤلفة المدونة تقدِّم لنا عرضاً مسرحياً ذهنياً نصياً متكاملاً, لا قصيدة شعر غنائية تقليدية عابرة, على الرغم مما قلته في موضع متقدِّم من أنَّ هذه المدوَّنة لا تصلح أنَّ تكون عرضاً فنيَّاً مَسرحياً كاملاً بشخصياته وأحداثه وزمانه ومكانه. غير أنَّ السيِّدة المبدعة البيَّاتي في قصائدها الحداثوية الشعرية هذه تمكَّنت من أن تتحرك بوعي في تجربتها الفريدة إلى تحقيق ما تصبو إليه من آمالٍ بعيدةٍ من خلال هذه التجربة المِقدَامة الجديدة:

سَاَر فِي الدَّربِ الفَتَى وَردانُ

وَالمَلَقِّيُّ يَتبعُهُ عَلَى ذَاتِ الخُطَّى

لَمْ يَكُنْ فِي الدَّربِ أَعشابٌ وَلَا بَعضُ الحِجَارةِ

لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبلُ مَطروقَاً

لِنَدعُوهُ طَلِيقَاً

كَانَ مِثلُ الجِسرِ مِنْ بَلورٍ يَحملُ نَفسَهُ

بَعدَ أُنْ سَارَ قَلِيلاً

صَارَ ذَاكَ الجِسرُ يَطوِي نَفسَهُ

وَالفَتَى وَرْدانَ والمُلقِّيُّ صَارَا

مِثلَ طَيرينِ, وَلكِنْ

لَمْ يَكُنْ فِي الجِوِّ رِيحٌ

كُلُّ شَيءٍ سَاكنٌ (بوابات الهلع, ص 62)

هكذا توزِّعُ ريمُ البيَّاتي نقاط المثابات الزمكانية والأدوار والشخصيات الحركية بطريقةٍ شعريةٍ دراميَّةٍ متصاعدةٍ مع تنامي وقائع الحدث الفكري. وترسم في تجريبها الشعري صوراً موضوعيةً وأبعاداً حركيةً متوازيةً متماسكةً لهذه الشخصيات في القصيدة الواحدة ذات المقاطع تتكون من عدَّة مشاهد دراميَّة ولوحات فنيَّة تجريدية مترابطة, إذ يقود كلُّ مشهد شعري درامي أو لوحة فنيَّة مُتحرِّكةٍ فيها إلى وقع المشهد الشعري الذي يليه تباعاً كأنَّها في سلسلةٍ مُحكمةٍ من التقاطعاتِ والانحرافاتِ والحُواراتِ الانفعالية المتوثبة في شكلٍّ فنِّي مثيرٍ عبرَ تَنامي فاعلية الأحداث وتطوِّر الصراع في كلِّ مقطع من مقاطع أناشيد القصيدة, وبذلك يؤدِّي إلى تطور البناء الدرامي للقصيدة.

ومن النماذج الدرامية الشعرية المعاصرة التي حفلت بها أناشيد مجموعة(بُواباتِ الهَلَعِ), قصيدة (النشيد الحادي عشر), تلك المقاطع الشعرية التي تُجسِّد حركية الصراع الآخروي بين شخوصها الثلاثة:(الرَّبابِ, وَوَردانَ, والمُلقيِّ), فتحتدم حدَّة الصراع الأزلي بين الرباب والمُلقيِّ الذي يُنكِرُ على النساء ظُلماً وعدواناً تولِّي زمام الأمور السلطوية العادلة. وينتهي ذلك الصراع بمحاكمةٍ عادلةٍ للمُلقيِّ الذي يطلب من القاضي أنْ يُبدي الصفحَ والعفوَ والمغفرةَ والرَّجاءَ عمَّا آلت إليه الأمور:

رَانَ صَمتٌ وَخُشوعٌ

حِينمَا قَامتْ عَنِ النُّفوسِ الرَّبابْ

وَأَشارتْ نَحوَ وَردانَ تَقَدَّمْ …

ثُمَّ قَالتْ : …

أَيُّهَا المُلَقِّيُّ مِنْ دُنياكَ قْفْ.

جَلسَ الكُلُّ وَوَردانُ تَقَدَّمَ خُطوتَينِ

يَحملُ الأَوراقَ فِي الكَفِّ اليَمِينِ

وَانْحَنَى الجِذعُ اِحترامَاً لِلربابْ

فَكَّرَ المَلَقِّيُّ, يَا لِلهَولِ مَا هَذَا الهَرَاءُ !

كُلُّ هَذَا الجَمعُ تَأمرُهُ نِسَاءْ!

خَابَ قَومٌ طَالَمَا وَلُّوا النِسَاءْ. (بوابات الهلع, ص 73, 74)

وكأنَّ لسان حال الرباب يقول بصوت سؤول للمُلقِّيِّ الذي لم يَبقَ إلَّا رأسُهُ بهذا النداء اللائم المدوِّي صرخةً, فتتضافر كلُّ عناصر الدراما من شخوص وحركة وأصوات وأحداث بهذا الختام:

جَاءَ صَوتٌ سَؤُولْ :

– يَا شَقيَّاً, مَا تَقْولْ؟

فَأَدارَ الرَّأسَ نَحوَ المَيسَرَةْ

نَحوَ أَقفاصِ المُسُوخِ الخَاسِرَةْ

وَانبَرَى صَوتٌ مِنَ الأَعماقِ يَعلُو

طَالِبَاً مِنْ حَضرةِ القَاضِي الكَلَامِ

رُبَّمَا يَحظَى بِبعَضِ المَغفَرةْ (بوابات الهلع, ص 85, 86)

ثُمَّ تستمرُّ الشاعرة ريم البيَّاتي في إيراد أناشيد المدونة بهذا الحسِّ الدَّرامي المُتسق, وتختمها بمقاطع النشيد الثاني عشر مُصوِّرةً أحداثَ (بَواباتِ الهلعِ), ونهاية الصراع بين شخوصها الثلاثة بهزيمة (المُلقِّي ِّ) تحت حراب ضغط فوهة البنادق وفي ظل إطار درامي رُوحي مشحون بالألم:

ظَلَّ فِي النَّفسِ صِراعٌ لَا يَلِينْ

مِثْلُ جَمرَةٍ, تَارةً يَكوِي , وَأُخرَى يَستكِينْ

صَارَ رَأسُ البَائسِ المُلَقِّيِّ فِي طَورِ الجُنونْ

مُشفِقَاً يَرنُو يَسارَاً جَازِعاً يَرتَاعُ مِنْ أِهلِ اليَمِينْ

حَاوَلَ المِسكينُ أَنْ يَعدُوَ بَعيدَاً

غَيرَ أَنَّ الجِسمَ مَشدودٌ إِلى أَصفادِ طِينْ

حِينَهَا قَامتْ عَنِ القَوسِ الرَّبابْ

تَرمَقُ الرَّأسَ الَّذِي تَاهَ بَعيدَاً

دَيَدنُ الإَنسانِ يُغويهِ السَّرَابْ

أَينَ وَردانُ فَتَى الفِتيانِ يُعطيهِ الجَوابْ ؟

جَاءَ وَردانُ وَفِي كَفيهِ أَلواحٌ ثِقَالْ

وَقَفَ القَومُ, وَلكنْ حِينَمَا هَمَّتْ رَبَابٌ بِالمَقَالْ

صَارَ رَأسُ البَائسِ المُلقيِّ فِي جَزعٍ يَدورْ (بوابات الهلع, ص, 94, 93)

إنَّ احتشاد سطور هذا المقطع الشعري الضافي بِترنُّمِ موسيقاه الشعرية العذبة وتعدُّد ثراء حروف قوافيه المقيَّدة والساكنة, فهو على الرغم مما فيه من صراعٍ ناريٍ حامٍ فائرٍ كلهيبِ جمرٍ لا يلينُ ولا يستكينُ, تراه تارةً لاذعاً كاوياً بأحداثه الدرامية المتشابكة, وتارةً أخرى مستكيناً قارَّاً تميل فيه حركة الملقيِّ وانثيالاته الشعورية إلى التصاعد في تنامي دراما آفاق الحدث الروحية سلبياً وإيجابياً.

وتُظهر تمثُّلات حركته التفاعلية وتشاكله النصيِّ وتعالقه الفكري مع حقوله الدلالية المجاورة الأخرى بشكلٍ مؤثِّرٍ يجمع بين شعرية الواقعة الموضوعية وعرض مسرحة الحدث دراميَّاً بطريقة التلقِّي القرائي الذهني المباشر الذي يصور معاناة الإنسان مع الإنسان, وصراعه الدامي مع الشرِّ الذي لا ينتهي أبداً ولا يُهزم أبداً إلَّا بانتصار الخير على براثنه المتغلغلة في النفوس الضالة التي لا ترى إلَّا في الشرَّ بديلاً لمبتغاها الدنيوي الخاسر الذي تقابله حقيقة الموت الذي يسعى إليه وردان.

وتحاول الكاتبة البيَّاتي في خاتمة ملحمتها الإنشادية (الغنائية الدراميَّة) المزدوجة فكريَّاً وجماليَّاً أنْ تعطي صوراً شعرية(إيماجية), ولوحاتٍ حركيةً دراميةً معبِّرةً وفاعلة عن مشاهد الصراع الآخروي الذي هو نتاج حقيقة الفعل الدنيوي الذي لجأ إليه الإنسان مُخَيَّرَاً أو مُضطرِّاً بطريقة إيجابيةٍ جديدةٍ تُلقي بظلالها المأساوية الوارفة على فكر المتلقِّي وَوعي القارئ المجتهد النابه. حين تُصوِّر المَشهد الأخير من مشاهد استسلام الملقِّيِّ وخضوع رأسه للأمر الطبيعي الواقع تحت تأثير أسنَّة موت فوهة البنادق التي تُصادر حُريَّة الإنسان, وتسلب إرادته خيبةً وخذلاناً, فتعبِّرُ عنه قائلةً:

حَرَكَ الرَّأسَ, وَلَكنْ كَانَ فُوقَ الرَّأسِ شَيءٌ جَاثِمٌ

رَفَعَ العَينينِ, يَا لِلهولِ مَا هَذهِ الَبليَّةْ !

كَانَ فَوقَ الصَّدعِ شَيءٌ بَارِدٌ

رُبَّما كَانَتْ شَظِيَّةْ

رُبَّمَا كَانتْ…

وَ يَا لِلهوْلِ فُوَهةُ بُندقيَّةْ (بوابات الهلع, ص 96)

ونافلة سياحتنا المعرفية في التنقيب بآثار شعرية مدونة(بُواباتِ الهَلَعِ) وحفرياتها، تفيدُ خلاصتها المهمازية بأنَّ الأدب الشعوري الرصين الهادف ينتجُ أدباً ابستمولوجياً معرفياً جديداً شائقاً ماكثاً يدخل القلوب قبل العقول بجواز سفرٍ حُرٍّ نافذٍ من دُونَ حَظرٍ مسبقٍ مانع. والأديب الذي ينتج نصَّاً شعرياً مَلحميَّاً مُتفَرِّداً مُغايراً لرهان الواقع الحاضر ويكسر جُدُرَ الصمت الراتب بجديده وجدته الشعرية الدراميَّة اللَّافتة يستحقُّ أنْ يكون شاخصاً أوحدياً فناريَّاً في محطَّات النقدية العربية, وريم البيَّاتي واحدة من تلك الطَّاقات الشعرية المثابرة التي ترفد مشاهد الشِّعريَّة العربيَّة بكلِّ ما هو مُبدعٌ جَميلٌ.

تنويه من الموقع :

أ.م.د.جبار ماجد البهادلي

دكتواره في الادب الحديث من جامعة عين شمس في مصر

أديب وناقد، وعضو اتحاد الكتاب في العراق

صدرت له كتب عدة

شاهد أيضاً

🟤🟠 درس في التحدي .. بعد 40 سنة من رسوبه في الجامعة، يفوز بجائزة نوبل في الكيمياء..

منجي الباوندي، الكيميائي الأمريكي من أصول تونسية والبالغ من العمر 62 عاما، أعلن ضمن الفائزين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *