كتبت مريم شقير ابو جودة
قبل 42 عاما ، كنت في أواخر شهري التاسع في حملي الأخير وقد أنهيت لتوي تقديمي لأشهر برنامج تلفزيوني في تلك الأيام على شاشة تلفزيون لبنان ، وكانت الشاشة الوحيدة قبل التفريخ المكثف لشاشات بلا عدد ، صدى السنين كان عنوان برنامجي ، وكنت في أوج شهرتي وشبابي وصداقاتي مع ضيوف برنامجي رؤساء جمهورية ورؤساء حكومة وصانعي استقلال لبنان .
ومن كثرة اعتزازي بنجاحي كنت انتظر مولودا ذكرا يكون الى جانب اختيه ميرا وغادة وفي تلك الفترة لم تكن خاصية معرفة جنس المولود متاحة ، كان الأمر يعتمد المشتهى والترقب.
ايام قليلة وبدأ المخاض وكنت وحدي قريب الفجر، وكان اليوم وقتها ذكرى غياب سيد الحق موسى الصدر ومن الطبيعي ان تقفل جميع الطرق المؤدية الى مستشفى الجامعة الأمريكية حيث طبيبي د سويدان فما كان من تاكسي الحازمية الا ان أوصلني الى مستشفى الحياة أقرب مكان إلى سكني قبل أن تبدأ الحشود بحرق الدواليب وإغلاق الطرقات.

صاحب المستشفى ومديرها الدكتور صابر وهو صديقي المقرب لدرجة كنت أخجل أن يشرف هو على توليدي.
لحظات ألم وترقب بانتظار الصبي القادم ، لكن الهام سبقته الى الحياة وأنارت الدنيا علي بكل ما فيها من إشراق وجمال وبياض، ورغم اننا كنّا وحدنا هي وانا دون ام او اب او مساعد لي غير صديقي صابر وسالم الا اننا اكتفينا ببعض وفرحت بها ورحبت بقدومها وأنا أكيدة ان الصبي كان سيغيب كوالده لحظة حاجتي لوجوده اما إلهامي فقد أعطتني مزيداً من الثقة بنفسي لدرجة انني بعد ولادتها ثرت على كل شيء وانتزعت حريتي وتابعت مسيرة التفوق لتصبح اليوم همهومتي حارسة إبداعي وتاريخي ومسيرتي على الورق.

الهام الاسم الذي كنت أحب وقد أطلقته عليها لحظة ولادتها صديقة العمر إلهام فريحة ، وهي تهمس لي : الثالثة ثابتة.
اعترف انني لست حزينة ابدا انني لم أنجب صبيا قبل 42 عاما ، فالحياة علمتني ان الانسانية كلها تبدأ من الأمومة وتنتهي بتضحياتها.

الأمومة هي الأساس ، وهي أولا ، وأخيرا ، لم أكبر على وجود والدي ، اختطفته الشهادة وأنا في أول الطفولة ، فكانت أمي أمي وأبي ، أتذكر وقوفها إلى جانبي في كل مراحل الحياة ، حتى بعد أن كبرت وتزوجت ، كانت إلى جانبي ، كنت اذا احتجت مالا تفتح امي صرة في عبّها الدافىء وتنقذني وكأن الله كان يخبئ لي القرش الأبيض في صدرها الحنون لأيامي السوداء.
42 عاما ، لم أنس المخاض بهمهومتي بعد ، حين أجلسها اليوم ، أتأمل في عينيها تلك الطفلة التي صارت اليوم عكازتي في أواخر العمر.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
