اذا كان هذا الكلام صادماً، لن يكون غريباً أو مستغرباً اذا ما تأملنا، بانورامياً، في الحالة اللبنانية على امتداد العقود الثلاثة المنصرمة «… كما لو أن البعض من ساستكم ينفذ حرفياً الأجندة الاسرائيلية، ودون أن يقتصر ذلك على فريق دون آخر».
القائل سفير عربي أمضى سنوات في بيروت قبل أن ينقل الى عاصمة أوروبية. سأل «ماذا يريد الاسرائيلون من لبنان سوى أن تتعفّن الدولة، أو تتحلل، لتبقى عالقة، هكذا، بين البقاء واللابقاء. تصدعات سياسية وطائفية، وانهيارات اقتصادية واجتماعية. مرفأ مدمر، وقطاع مصرفي في الموت السريري، دون أن يمتلك أولئك الساسة أي رؤية، أو أي تصور، للخروج من هذا القاع».
الصادم أكثر «اذا كنتم تنتظرون بأن يأتي الخارج بالحل، أقول من خلال تجربتي في العمل الديبلوماسي، ان عليكم التنبه الى البعد الاسرائيلي في أي حل. هناك اتصالات دائمة وحساسة بين واشنطن، وعواصم أوروبية، وتل أبيب حول الملف اللبناني، مع اقتناعنا بأن لا حل دون ضوء أخضر أميركي، وحتى دون مشاركة أميركية».
السفير يستهجن وجود دعاة الى المؤتمر التأسيسي، أو دعاة الى تغيير الصيغة.. « هذه مسألة أكبر منهم بكثير. وكل من ينظر الى ما بعد المشهد الأوكراني، يتوجس من حدوث هزات بنيوية في أكثر من منطقة في العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. هزات تتعدى البلقنة. وهذا ما أدركه السعوديون والايرانيون الذين اصغوا الى ما قاله لهم شي جين بينغ حين استعاد أمامهم المثل الصيني «انتظر جثة عدوك على ضفة النهر». ما يفعله، وما يخطط له، الأميركيون أنهم ينتظرون جثث الجميع على ضفة النهر لتبقى المنطقة رهينة في ايديهم».
متى لم يكن الاسرائيليون معنيين بالوضع في لبنان. على هذه الأرض تحطم أنف آرييل شارون الذي وصف، لدى احداث ثغرة الدفرسوار عام 1973، بـ«آخر ملوك التوراة». ولنتذكر كيف التف مناحيم بيغن، وهو نبي اليمين، ببطانية الصوف بانتظار النهاية…
لا يمكن لهؤلاء البرابرة أن يتقبلوا فكرة الانكسار «ولو دمروا الكرة الأرضية»، كما قال المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس الذي ما لبث أن دفن حياً. واذا كان هناك داخل المؤسسة اليهودية من يفكر لمائة عام، هل يفكر أركان «المؤسسة اللبنانية» للمائة ساعة المقبلة؟
في ذروة الاستنفار الطائفي المبرمج ( لكي تحافظ المنظوة عن بقائها )، أي حوار، وماذا يمكن أن يأتي به المايسترو الفرنسي اذا ما أخذنا بالاعتبار مدى التراجع في فاعلية، أو في تأثير، الدور الفرنسي في لعبة الأمم.
المبادرة الفرنسية لم تكن أكثر من فقاعة ديبلوماسية، وانتهت كما تنتهي الفقاعة. بكل هدوء نطوي، حتى في ذاكرتنا، الصفحة الفرنسية…
التطورات الدولية جعلت أزمة لبنان تتفاعل عبر الحدود. في هذه الحال، لا مجال للتسوية الداخلية. المشهد الدولي (الضاغط بطريفة أو بأخرى على الاقليم) بعيد جداً عن رعاية أي تسوية قابلة للحياة.
حتى الانتظار (انتظار ماذا؟) لم يعد ينطوي على أي معنى أو على أي جدوى. غرقنا وانتهى الأمر لنغدو «غرقى الوجود»، حسبما وصفنا أحدهم من سنوات. لا معجزة تهبط من السماء. أما من معجزة صينية كتلك التي نزلت على السعوديين والايرانيين، وان كنا نخشى أن يهدم الخلاف حول حقل للغاز في الخليج كل شيء؟
اجترار الى ماشاء الله. كل ما كان يأمل به زئيف جابوتنسكي أو دافيد بن غوريون، والآن بنيامين نتنياهو، يحدث على الأرض اللبنانية. القصر الجمهوري مقفل وتلعب به الرياح، السراي الحكومي بالكاد يستطيع ادارة يوميات الأزمة. ساحة النجمة امتداد لبرج بابل. بالأذن المجردة تتناهى الينا قهقهات الحاخامات.
هل ترانا أمام سنوات أخرى على أبواب (أو على أرصفة) الجحيم. التقينا ببعض المصطافين العراقيين الذين قالوا لنا «اذا كان هذا هو الجحيم فماذا نقول نحن؟».
يا اخواننا، أنتم فوق أوقيانوس من النفط، والفساد بدأ يتراجع. وثمة رئيس للجمهورية و حكومة عندكم. حتى الأميركيون والايرانيون يتفقون على أرضكم ويختلفون على أرضنا.
لا تنسوا أننا على الأجندة الاسرائيلية ـ وحتى اليهودية ـ ساستنا غافلون. هذا مصابنا…
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
