أحمد موسى
كواليس – أسبوعاً من التقنين القاسي للتيار الكهربائي تعيشه بعض قرى وبلدات البقاع الغربي تجاوز ال60% في المئة تقنيا (قطعاً للتيار الكهربائي)، وسط لامبالاة من المسؤولين والوزارات المعنية و”تطنيش” من نواب المنطقة، الذين يتلهون في عد الأصوات لهذا المرشح الرئاسي أو ذاك، في وقت البلديات والاتحادات البلدية يقفون عاجزين يتفرجون على معاناة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا مكتفين بلملمة وإحصاء الخسائر التي أصابت مصالحهم وارزاقهم، فضلاً على خسائر المزارعين إنتاجهم الزراعي بسبب فقدان الكهرباء في عملية الري، متسائلين عن فواتير الكهرباء التي وصلتهم بأرقام قياسية خيالية، في الوقت نواب المنطقة يعيشون في مكان آخر عن معاناة المنطقة وناخبيهم.

أُنشئت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أوائل الخمسينات، ومعها معمل مركبا لتوليد الطاقة الكهرومائية عام 1962 لصالح سكان المنطقة المحيطة بسد القرعون وبحيرته، ليستفيدو من الطاقة الكهربائية في منازلهم ومؤسساتها الصناعية والتجارية والمكاتب والمدارس والمستشفيات والمشاريع التنموية الزراعية والخدمية، كل ذلك ومخالفة صريحة وواضحة أصابتهم بالصميم مع فقدان التيار الكهربائي منذ اسبوع تقريباً وسط حرارة مرتفعة، الأمر الذي أفقد الحياة على مستوى المنطقة، فخيمت الخسائر المادية والمعنوية لتحل مكانها العتمة.
بازار المصالح الشخصية والتنفيعات
فسد القرعون الذي يعتبر الأضخم وأيقونة سدود لبنان نجاحاً (إذا لم نتطرق إلى اغتياله بالتلوث مع نهر الليطاني وناسه) وتخزيناً للمياه (220 مليون متر مكعب) وتوليد الطاقة عبر ثلاثة معامل: المهندس ابراهيم عبد العال – مركبا، وبولس أرقش – بسري، ومعمل شارل الحلو على نهر الأولي قرب صيدا، لكن هذه النعمة المتمثلة بتزويد البلدات جارة السد ومعامل الكهرباء، دخلت مؤخراً “بازار المصالح الشخصية والتنفيعات والزبائنية” في صالح أصحاب “الكسارات” الآخذة في تدمير الطبيعية و”تشويه البيئة”، فضلاً عن “تخريب” الطرقات العامة والخاصة وإلحاق الأضرار في الممتلكات الخاصة والتعدي على الأملاك العامة، فيما الوزارات المعنية (الداخلية والبلديات، الطاقة والبيئة تحديداً) يغضون الطرف ويتجاهلون المرتكبات والمخالفات القانونية، أقل ما يقال فيها “ارتكابة أشبه بالمساومات والتنفيعات” على حساب المواطنين وحياتهم وصحتهم وأرزاقهم، وتُرك استخدام كهرباء الليطاني لبعض الكسارات على حساب المواطنين، دون أن تحرك الوزارات المعنية وخاصة وزارة البيئة ومصلحة الليطاني ساكناً، سوى “غض الطرف” تاركين الحبل على غاربه، الأمر الذي أرخت تداعيات سلبية على حياتهم ونشاطهم الاقتصادي.

مجموع هذه البلدات يستفيد من تغذية مستدامة بالتيار الكهربائي، وفي عام 2019، ولحسابات سياسية – انتخابية تم ربط قرى يتمتع فيها التيار الوطني الحر بحيثية وازنة وهي: عميق، عانا، تل ذنوب الجديدة ودير طحنيش، كهربائياً بشبكة استجرار الطاقة من معمل مركبا، ووُفّرت لها التغذية بالتيار على مدار الساعة، مع العلم أنها قرى بعيدة عن الليطاني، ولا تدخل ضمن القرى التي استملكت أراضيها واستخدمت لصالح الليطاني وسدّه، وأبقت وزارة الطاقة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني التقنين على حاله في جب جنين، لالا، كامد اللوز وبعلول.
إنما الأخطر من عملية “الربط” هو “التعامي” عن فعل الكسارات المنتشرة بين القرعون مروراً بمجدل بلهيص ويحمر وقليا وصولاً إلى ميذون واستفادة بعضها من “كهرباء الليطاني” وحرمان عشرات القرى والبلدات وآلاف المواطنين من التيار الكهربائي.
وقد تسبب هذا الإجراء وضع أهالي المنطقة يتحضرون إلى تحركات لن يكون الشارع بمنأى عنها، وعلى منابر المساجد. تحركات تأتي بعد مرحلة عصيبة اقتصادياً وتستفحل يوماً بعد يوم، ومع وصول تسعيرة فاتورة الكهرباء في البلدات الخاضعة للتقنين القاسي الغير مسبوق إلى أرقام خيالية، ارتفعتْ وتيرة التحضير للاحتجاجات الشعبية، التي لن يغيب عنها عمليات قطع للطرقات ومحاولات اقتحام محطات توزيع الكهرباء، وفعّلت لجان أهلية من مراجعاتها لوزارتي الطاقة والبيئة وإدراة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، كل ذلك عسى أن يثمر عن تبدّل للواقع حيث لا يزال التقنين مستداما على تلك القرى والبلدات حتى الآن.
هذه الاجواء لم تكن منفصلة أبدأ عن سجالات بين الناس وامتعاض من غض النظر من وزير البيئة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني وتجاهل من وزارة الطاقة وغياب فاضح من نواب المنطقة وتلكؤ البلديات، فيلقي الأول (ياسين) باللائمة على الأجهزة الأمنية والقضائية والمحافظ في تطبيق القانون، واتهام لأصحاب الكسارات بأنهم يمارسون عملهم متمتعين ب”حماية قوى الأمر الواقع (…)”، أما الثاني (فياض) ففي مكان آخر، فيما الثالث (علوية) يجهد في تسطير المحاضر ضد التعديات على نهر الليطاني، متجاهلا تغذية بعض الكسارات بالكهرباء، أما الرابع (النواب) يشغلهم العد على حساب معاناة المواطنين، فيما رؤساء البلديات في حالة ترقب وانتظار لموعد الاستحقاق البلدي القادم.
ولم تكن خلفية السجال تخفى على أحد، يوزعون المسؤولية على خلفية الخلاف السياسي – الحزبي ولسان الأربعة يقول: “ما حدا بيبيعها لحدا”، وهو أشبه بوزير سكت دهراً لينطق تهما يوزعها يمنة ويسرى على الأجهزة الأمنية والقضائية والمحافظ مكتشفا البارود بعبارته “قوى الأمر الواقع”، عبارة وتوزيع اتهامات على ما يتداول مراقبون لما يحصل، “تمخض الجبل فولد فأرا”، اعتبروا أن إلقاء اللوم على الأجهزة الأمنية والقضائية والمحافظ وقوى الأمر الواقع “محض تهرب من المسؤولية”.
عملات رقمية
وأصاب انتشار ماكينات التعدين في قرى وبلدات عيتنيت، صغبين، خربة قنافار، عميق، عانا، باب مارع، مشغرة، سحمر، يحمر، قليا، ميدون، عين التينة، لوسي، سحمر، يحمر ولبايا التي تتغذى بالتيار الكهربائي على مدار الساعة، فضلاً عن المزارع والمنازل في الأطراف، تحتاج ماكينات التعدين هذه إلى طاقة كهربائية وإنترنت على مدار الساعة، وتستهلك الماكينة الواحدة ما يوازي حاجة خمسة منازل من التيار الكهربائي، بحسب المشغلين وحجمها، فكيف إذا ما كان هناك مزارع تضمّ مئات ماكينات العملة الرقمية ومنازل فيها العشرات منها؟.
هذه القرى أصابت شبكات النقل ومحطات التحويل بأعطال متكررة، ومرد ذلك، بحسب مهندسي مصلحة الليطاني، هو “عدم قدرة الشبكة على تحمل طاقة سحب هائلة متأتية من مزارع ماكينات التعدين، أو من تلك الموجودة في المنازل، فضلاً عن تغذية بعض الكسارات بالكهرباء ما شكل تهديداً حقيقياً وخطيرا على خطوط نقل الطاقة الكهربائية”.
هذه الإشكالية دفعت عدد من البلدات إلى إصدار بيانات توجّهت فيها للأهالي تقول ب”ضرورة ترشيد استخدام الكهرباء”، وهي بيانات “رفع عتب” ليس أكثر، فالمستفيدون كثر، إلى جانب المستثمرين من السكان المحليين ونافذين، وبخاصة المتمولين من بينهم، برزت ظاهرة منذ سنة ونيف تمثلت بإقدام عشرات المودعين في المصارف بسحب ما تيسر من ودائعهم لتشغيلها في بلدات تتوفر فيها شروط عمل ماكينات التعدين.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
